التبيان

ومن رجَّحَ أنَّه إدبارُه احتجَّ بقوله تعالى: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ ٣٢ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ٣٣ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ ٣٤﴾ [المدثر: ٣٢ - ٣٤]؛ فأقسَمَ - سبحانه - بإدبار الليل، وإسفار الصُّبْح؛ وذلك نظير عَسْعَسَة الليل، وتنفُّس الصُّبْح.

قالوا: والأحسن أن يكون القَسَمُ بانصرام الليل، وإقبال النَّهار١ عقيبه من غير فَصْل، فهذا أعظم في الدلالة والعبرة، بخلاف إقبال الليل وإقبال النَّهار، فإنَّه لم يُعرف القَسَمُ في القرآن بهما، ولأنَّ بينهما زمنٌ طويلٌ، فالآيةُ في انصرام هذا ومجيء الآخر عقيبه بغير فَصْلٍ أبلغ.

فذكر - سبحانه - حالةَ ضَعْفِ هذا وإدباره، وحالةَ قوَّةِ هذا وتنفُّسِهِ وإقباله؛ يطردُ ظلمةَ الليل بتنفُّسِهِ، فكُلَّمَا تنفَّسَ هَرَبَ الليلُ وأدبر بين يديه، وهذا هو القول. والله أعلم.

فصل

ثُمَّ ذكر - سبحانه - المقسَم عليه وهو "القرآن"، وأخبر أنَّه قولُ رسولٍ كريمٍ، وهو - ها هنا -: جبريل - قطعًا -؛ لأنَّه ذكَرَ صفتَهُ بعد ذلك بما يُعيِّنُه به.

وأمَّا "الرسول الكريم" في "الحاقَّة" فهو محمدٌ ﷺ؛ لأنَّه نفى بعده أن يكون قول من زعم أعداؤه أنه قولُه؛ فقال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ ٤١ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ٤٢﴾ [الحاقة: ٤١، ٤٢].

فأضَافَهُ إلى الرسول المَلَكِي تارةً، وإلى البَشَرِيِّ تارةً، وإضافتُهُ إلى كلِّ واحدٍ من الرسولَين إضافةُ تبليغٍ لا إضافة إنشاءٍ من عنده، وإلا

  1. (١) بعدها في (ح) و(م) زيادة: فإنَّه.
191

تناقضت النِّسْبَتَان. ولفظ "الرسول" يدلُّ على ذلك، فإنَّ "الرسولَ" هو الذي يبلِّغ كلامَ من أرسله، وهذا صريحٌ في أنَّه كلام من أرسل جبريلَ ومحمدًا - صلى الله عليهما وسلم -، وأنَّ كلًّا منهما بلَّغه عن الله، فهو قولُه مبلِّغًا، وقولُ الله الذي تكلَّم به حقًّا. فلا راحة لمن أنكر أن يكون الله - تعالى - متكلِّمًا بالقرآن - وهو كلامه حقًّا - في هاتين الآيتين، بل هما من أظهر الأدلَّة على كونه كلام الرَّبِّ تعالى، وأنَّه ليس للرسولَين الكريمَين منه إلا التبليغ، فجبريلُ سمعه من الله، ومحمدٌ ﷺ سمعه من جبريل.

وَوَصَفَ رسولَهُ المَلَكيَّ في هذه السورة بأنَّه: كريمٌ، قويٌّ، مكينٌ عند الرَّبِّ تعالى، مطاعٌ في السماوات، أمينٌ.

فهذه خمسُ صفاتٍ تتضمَّن تزكية سَنَدِ القرآن، وأنَّه سماعُ محمدٍ من جبريلَ، وسماعُ جبريلَ من ربِّ العالمين. فَنَاهِيك بهذا السَّنَدِ عُلُوًّا وجلالةً؛ تولَّى١ اللهُ - سبحانه - بنفسه تزكيتَهُ:

الصفة الأُولَى: كَوْنُ الرسولِ الذي جاء به إلى محمدٍ ﷺ: كريمًا، ليس كما يقول أعداؤه: إنَّ الذي جاء به شيطان، فإنَّ الشيطانَ خبيثٌ مخبِثٌ، لئيمٌ، قبيحُ المنظر، عديمُ الخير، باطِنُهُ أقبحُ من ظاهره، وظاهرُهُ أشْنَعُ من باطنه، وليس فيه ولا عنده خيرٌ، فهو أبعد شيءٍ عن الكرم. والرسولُ الذي ألقَى القرآنَ إلى محمدٍ ﷺ: كريمٌ، جميلُ المنظر، بَهِيُّ الصورة، كثيرُ الخير، طَيِّبٌ مُطَيَّبٌ، معلِّمُ الطَّيِّبِين. وكلُّ خيرٍ في الأرض من هُدَىً، وعلمٍ، ومعرفةٍ، وإيمانٍ، وبِرٍّ، فهو ممَّا

  1. (١) في جميع النسخ: قول! وهو تحريف.
192

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي