وأجمع المفسِّرون على أنَّ الغيبَ - ها هنا -: القرآنُ، والوحيُ.
وقال الفرَّاء: "يقول تعالى: يأتيه غيب السماء وهو منفوسٌ فيه، فلا يَضِنُّ به عليكم"٢.
وهذا معنىً حسنٌ جدًّا، فإنَّ عادةَ النُّفوسِ الشحُّ بالشيء النَّفيس، ولا سيَّما عمَّن لا يعرف قَدْرَه، ويذمُّهُ ويذمُّ من هو عنده، ومع هذا فهذا الرسول لا يبخل عليكم بالوحي الذي هو أنفسُ شيءٍ وأجلُّه.
وقال أبو علي الفارسيُّ: "المعنى: يأتيه الغيب فيبيِّنُه، ويخبر به، ويظهره، ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده ويخفيه حتَّى يأخذ عليه حُلْوَانًا"٣.
= ديوانه، قال العلامة أحمد شاكر: "وهو خطأٌ، وإنما البيت لقيس بن الخَطيم"، وهو كذلك في جميع المصادر منها "الأمالي" (٢/ ١٧٩ و٢٠٥). وانظر كلام ناصر الدين الأسد في توثيق البيت في تحقيقه لديوان "قيس بن الخَطيم" (١٦٣).
(١) انظر: "جامع البيان" (١٢/ ٤٧٣)، و"الدر المنثور" (٦/ ٥٣١). قال الحافظ: "وروى ابن أبي حاتم بسندٍ صحيحٍ: كان ابن عباس يقرأ "بضنين"، قال: والضنين والظنين سواء، يقول: ما هو بكاذب، والظنين: المتهم، والضنين: البخيل". "الفتح" (٨/ ٥٧٦).
(٢) "معاني القرآن" (٣/ ٢٤٢).
(٣) "الحُجَّة" (٦/ ٣٨١).
وفيه معنىً آخر؛ وهو أنَّه على ثقةٍ من الغيب الذي يخبر به فلا يخاف أن ينتقض ويظهَرَ الأمرُ بخلاف ما أخبر به، كما يقع للكُهَّان وغيرهم ممَّن يخبر بالغيب، فإنَّ كَذِبَهم أضعافُ صِدْقِهم، وإذا أخبر أحدُهم بخبرٍ لم يكن على ثقةٍ منه، بل هو خائفٌ من ظهور كذبه، فإقدامُ هذا الرسول على الإخبار بهذا الغيب العظيم الذي هو أعظم الغيب؛ واثقًا به، مقيمًا عليه، مبديًا له - في كلِّ مَجْمَع - ومعيدًا، مناديًا به على صدقه، مستجلبًا به لأعدائه = من أعظم الأدلَّة على صدقه.
وأمَّا قراءةُ من قرأ "بظَنين" - بالظَّاء١ - فمعناه: المُتَّهَم، يقال: ظَنَنْتُ زيدًا، بمعنى: اتهمتُه، وليس من "الظَّنِّ" الذي هو الشعور والإدراك، فإنَّ ذلك يتعدَّى إلى مفعولين، ومنه ما أنشَدَ أبو عبيدة:
أَمَا وكتابِ اللهِ لا عن شَنَاءَةٍهُجِرْتُ، ولكنَّ المُحِبَّ ظَنِينُ٢
والمعنى: وما هذا الرسول على القرآن بمُتَّهَمٍ، بل هو أمينٌ لا يزيد فيه ولا ينقص؛ وهذا يدلُّ على أنَّ الضمير يرجع إلى محمدٍ ﷺ؛
(١) قرأ بها: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، والحضرمي. انظر: "علل القراءات" (٢/ ٧٥٠)، و"النشر" (٢/ ٣٩٨ - ٣٩٩).
(٢) لم يرد في "مجاز القرآن" (٢/ ٢٨٨)، وإنما ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" (١٠/ ١٤٣)، والقرطبي في "الجامع" (١٩/ ٢٤٠)، وعندهما بدل (المحبّ): الظنين. ونسبه المبرِّد في "الكامل" (١/ ٢٣) إلى: عبد الرحمن بن حسَّان بن ثابت الأنصاري. وذكر ابن منظور في "اللسان" (٨/ ٢٧٢) أنَّ ابن بَرِّي نسبه إلى: نَهَار بن تَوْسِعَة، ولفظه: فلا ويمينِ اللهِ ما عن جنايةٍ … هُجِرتُ، ولكنَّ الظَّنينَ ظنينُ