التبيان

وفيه معنىً آخر؛ وهو أنَّه على ثقةٍ من الغيب الذي يخبر به فلا يخاف أن ينتقض ويظهَرَ الأمرُ بخلاف ما أخبر به، كما يقع للكُهَّان وغيرهم ممَّن يخبر بالغيب، فإنَّ كَذِبَهم أضعافُ صِدْقِهم، وإذا أخبر أحدُهم بخبرٍ لم يكن على ثقةٍ منه، بل هو خائفٌ من ظهور كذبه، فإقدامُ هذا الرسول على الإخبار بهذا الغيب العظيم الذي هو أعظم الغيب؛ واثقًا به، مقيمًا عليه، مبديًا له - في كلِّ مَجْمَع - ومعيدًا، مناديًا به على صدقه، مستجلبًا به لأعدائه = من أعظم الأدلَّة على صدقه.

وأمَّا قراءةُ من قرأ "بظَنين" - بالظَّاء١ - فمعناه: المُتَّهَم، يقال: ظَنَنْتُ زيدًا، بمعنى: اتهمتُه، وليس من "الظَّنِّ" الذي هو الشعور والإدراك، فإنَّ ذلك يتعدَّى إلى مفعولين، ومنه ما أنشَدَ أبو عبيدة:

أَمَا وكتابِ اللهِ لا عن شَنَاءَةٍهُجِرْتُ، ولكنَّ المُحِبَّ ظَنِينُ٢

والمعنى: وما هذا الرسول على القرآن بمُتَّهَمٍ، بل هو أمينٌ لا يزيد فيه ولا ينقص؛ وهذا يدلُّ على أنَّ الضمير يرجع إلى محمدٍ ﷺ؛

  1. (١) قرأ بها: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، والحضرمي.
    انظر: "علل القراءات" (٢/ ٧٥٠)، و"النشر" (٢/ ٣٩٨ - ٣٩٩).
  2. (٢) لم يرد في "مجاز القرآن" (٢/ ٢٨٨)، وإنما ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" (١٠/ ١٤٣)، والقرطبي في "الجامع" (١٩/ ٢٤٠)، وعندهما بدل (المحبّ): الظنين.
    ونسبه المبرِّد في "الكامل" (١/ ٢٣) إلى: عبد الرحمن بن حسَّان بن ثابت الأنصاري.
    وذكر ابن منظور في "اللسان" (٨/ ٢٧٢) أنَّ ابن بَرِّي نسبه إلى: نَهَار بن تَوْسِعَة، ولفظه:
    فلا ويمينِ اللهِ ما عن جنايةٍ … هُجِرتُ، ولكنَّ الظَّنينَ ظنينُ
198

لأنَّه قد تقدَّمَ وصْفُ الرسول المَلَكِي بالأمانة، ثُمَّ قال: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ٢٢﴾، ثُمَّ قال: ﴿وَمَا هُوَ﴾ أي: وما صاحبكم بمُتَّهَمٍ ولا بخيلٍ.

واختار أبو عبيد١ قراءة "الظَّاء"؛ لمعنيين:

أحدهما: أنَّ الكفَّارَ لم يُبَخِّلُوه، وإنَّما اتَّهَموه، فَنَفْيُ التُّهْمَةِ أَولى من نَفْي البخل.

الثاني: أنَّه قال: ﴿عَلَى الْغَيْبِ﴾، ولو كان المراد البخل لقال: بالغيب؛ لأنَّه يقال: فلانٌ ضَنِينٌ بكذا، وقَلَّما يقال: على كذا.

قلت: ويرجِّحُه أنَّه وَصَفَهُ بما وصف به رسولَهُ المَلَكِيَّ من الأمانة، فنَفَى عنه التُّهْمَةَ كما وصفَ جبريلَ بأنَّه أمينٌ.

ويرجِّحُه - أيضًا - أنَّه - سبحانه - نفَى أقسام الكذب كلِّها عمَّا جاء به من الغيب، فإنَّ ذلك لو كان كذبًا: فإمَّا أن يكون منه، أو ممَّن علَّمه.

وإن كان منه: فإمَّا أن يكون تعمَّدَهُ، أو لم يتعمَّدْهُ.

فإن كان من معلِّمه فليس هو بشيطانٍ رجيمٍ، وإن كان منه مع التعمُّد فهو المتَّهَمُ - ضد الأمين -، وإن كان عن غير تعمُّدٍ فهو المجنون.

فنفَى - سبحانه - عن رسوله ذلك كلَّهُ، وزكَّى سَنَدَ القرآن أعظم التزكية، فلهذا قال سبحانه: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ ٢٥﴾ أي: ليس بتعليم الشيطان، ولا يقدر عليه، ولا يَحْسُنُ منه كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ٢١٠ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ٢١١﴾ [الشعراء: ٢١٠، ٢١١]، فنَفَى

  1. (١) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: أبو عبيدة.
    وانظر: "الجامع" (١٩/ ٢٤٠).
199

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي