التبيان

موضعٍ آخر: ذِكْرٌ مطلقٌ١، وفي موضعٍ آخر: ذِكْرٌ مبارَكٌ٢، وفي موضعٍ آخر وصَفَهُ بأنَّه ذو الذِّكْر٣.

وبجمع هذه المواضع يتبيَّنُ٤ المرادُ من كونه ذِكْرًا عامًّا وخاصًّا، وكونه ذا ذِكْرٍ، فإنَّه:

يذكِّرُ العبادَ بمصالحهم في مَعَاشِهم ومَعَادِهم.

ويذكِّرُهُم بالمبدأ والمَعَاد.

ويذكِّرُهُم بالرَّبِّ - تعالى - وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وحقوقِه على عباده.

ويذكِّرُهُم بالخير لِيَقْصِدُوه، وبالشَّرِّ ليجتنبوه.

ويذكِّرُهُم بنفوسهم، وأحوالها، وآفاتها، وما تكمل به.

ويذكِّرُهُم بعدُوِّهم وما يريد منهم، وبماذا يحترزون من كيده، ومن أيِّ الأبواب والطرق يأتي إليهم.

ويذكِّرُهُم بفاقتهم وحاجتهم إلى ربِّهم، وأنَّهم مضطرُّون إليه لا يستغنون عنه نَفَسًا واحدًا.

ويذكِّرُهُم بِنِعَمِه عليهم، ويدعوهم بها إلى نِعَمٍ أخرى أكبر منها.

  1. (١) في سورة [الحجر/ ٩]: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ٩﴾.
    ومن قوله: "وفي موضع آخر لرسوله. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ز).
  2. (٢) في سورة [الأنبياء/ ٥٠]: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ٥٠﴾.
  3. (٣) في سورة [ص/ ١]: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ١﴾.
  4. (٤) العبارة في جميع النسخ هكذا: ويجمع هذه المواضع تبيين …، والصواب ما أثبته.
202

ويذكِّرُهُم بأْسَهُ، وشدَّةَ بَطْشِه، وانتقامَهُ ممَّن عصَى أمرَهُ، وكذَّبَ رُسُلَهُ.

ويذكِّرُهُم بثوابه وعقابه.

ولهذا يأمر - سبحانه - عبادَهُ أن يذكروا ما في كتابه، كما قال تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ٦٣﴾ [البقرة: ٦٣]، وإذا كان كذلك فأحَقُّ وأَوْلَى وأوَّلُ من كان ذكرًا له من أُنْزِلَ عليه، ثُمَّ لقومه، ثُمَّ لجميع العالمين، وحيث خصَّ به المتقين فلأنهم الذين انتفعوا بذكره.

وأمَّا وَصْفُه بأنَّه "ذو الذِّكْر"؛ فلأنَّه مشتمِلٌ على الذِّكْر، فهو صاحب الذِّكْرِ، وفيه الذِّكْرُ، فهو ذِكْرٌ وفيه الذِّكْرُ، كما أنَّه هُدَىً وفيه الهُدَى، وشفاءٌ وفيه الشفاء، ورحمةٌ وفيه الرحمة.

وقوله سبحانه: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ٢٨﴾ [التكوير: ٢٨] بَدَلٌ من "العالَمين"، وهو بَدَلُ بعضٍ من كُلٍّ. وهذا من أحسن ما يُستدلُّ به على أنَّ البَدَلَ في قوَّة ذكر عاملين مقصودين، فإنَّ جهةَ كونه ذِكْرًا للعالمين كلِّهم غيرُ جهة كونه ذِكْرًا لأهل الاستقامة، فإنَّه ذِكْرٌ للعموم بالصَّلَاحية والقوَّة، وذِكْرٌ لأهل الاستقامة بالحصول والنفع، فكما أنَّ البَدَلَ أخَصُّ من المُبْدَلِ منه فالعامِلُ المقدَّرُ فيه أخَصُّ من العامل الملفوظ في المُبْدَلِ منه، ولا بدَّ من هذا؛ فتأمَّلْهُ.

وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ٢٨﴾ رَدٌّ على "الجَبْرِيَّة" القائلين بأنَّ العبدَ لا مشيئة له، و١ أنَّ مشيئته مجرَّد علامةٍ على حصول

  1. (١) في (ن) و(ك) و(ح): أو.
203

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي