التبيان

سبحانه - قد يشاء من عبده المشيئةَ وحدَها، فيشاء العبدُ الفعلَ ويريده ولا يفعله؛ لأنَّه لم يشأ من نفسه - سبحانه - إعانتَهُ عليه، وتوفيقَهُ له.

وقد دلَّ على هذا وهذا قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ٢٩﴾ [التكوير: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٥٦].

وهاتان الآيتان متضمِّنَتَان إثباتَ: الشرعِ والقَدَرِ، والأسبابِ والمسبِّباتِ، وفعلِ العبد واستنادِه إلى فعل الرَّبِّ.

ولكلٍّ منهما عبوديةٌ تختَصُّ بها:

فعبودية الآية الأُولَى: الاجتهادُ، واستفراغُ الوسع، والاختيارُ، والسَّعْي.

وعبودية الثانية: الاستعانةُ بالله، والتوكُّلُ عليه، واللَّجأُ إليه، واستنزالُ التوفيقِ والعَوْنِ منه، والعلمُ بأن العبد لا يمكنه أن يشاءَ ولا يفعلَ حتَّى يجعله الله كذلك.

وقوله: ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ ٢٩﴾ ينتظمُ ذلك كلَّه ويتَضَمَّنُه، فمن عطَّلَ أحد الأمرين فقد جحد كمال الربوبية وعطَّلَها، وبالله التوفيق.

206

فصل

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا ١ وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا ٢ وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا ٣ فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا ٤ فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ٥﴾ [النازعات: ١ - ٥]، فهذه خمسة أمور، وهي صفات الملائكة.

فأَقْسَمَ - سبحانه - بالملائكة الفاعلة لهذه الأفعال؛ إذ ذلك من أعظم آياته، وحَذفَ مفعول النَّزْع والنَّشْطِ لأنَّه لو ذَكرَ ما تنزِعُ وتَنْشِطُ لأَوْهَمَ التقييدَ به١؛ ولأنَّ القَسَمَ على نفس الأفعال الصادرة من هؤلاء الفاعلين، فلم يتعلَّق الغَرَضُ بذكر المفعول كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ٥﴾ [الليل: ٥] ونظائره، فكان نفسُ النَّزْع هو المقصود لا عَيْنُ المنزوع.

وأكثر المفسِّرين على أنَّها الملائكة٢ التي تنزع أرواح بني آدم من أجسامهم، وهم جماعةٌ؛ كقوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام: ٦١]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [النساء: ٩٧].

وأمَّا قوله ﷿: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]:

فإمَّا أن يكون واحدًا، وله أَعْوَانٌ.

وإمَّا أن يكون المراد الجنس لا الوَحْدَة؛ كقوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ

  1. (١) ساقط من (ز).
  2. (٢) ساقط من (ز).
207

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي