التبيان

و"السَّابِحَات": التي تسبح في الهواء في طريق مَمَرِّها إلى ما أُمِرَتْ به، كما تسبح الطير في الهواء.

فـ "السَّابِقَات": التي تسبق وتُسرع إلى ما أُمِرَتْ به، لا تبطئ عنه ولا تتأخر.

فـ "المُدبِّرات": التي تدبِّرُ أُمورَ العباد التي أمرها ربَّها بتدبيرها، وهذا أَوْلى الأقوال.

وقد روي عن ابن عباس: "أنَّ "النَّازِعَات" الملائكةُ تنزع نفوس الكفار بشدَّةٍ وعُنْفٍ، و"النَّاشِطَات": الملائكةُ التي تَنشِطُ أرواحَ المؤمنين بِيُسْرٍ وسُهُولةٍ"١.

واختار الفرَّاء هذا القول٢، فقال: "هي الملائكة تَنشِطُ نفسَ المؤمن فتقبضها، وتَنزِعُ نفسَ الكافر".

قال الواحديُّ: "إنَّما اختار ذلك، لمَا بين "النَّشْط" و"النَّزْع" من الفرق في الشِّدَّة واللِّين، فالنَّزْعُ: الجَذْبُ بشدَّةٍ، والنَّشْطُ: الجَذْبُ برفقٍ ولين؛ ولأنَّ "النَّاشِطَات" هي النُّفُوس التي تَنشَطُ لما أُمِرَت به، والملائكة أحَقُّ الخلق بذلك، ونفوس المؤمنين ناشِطَةٌ لما أُمِرَتْ به".

وقيل "السَّابِحَات": هي النُّجُوم تسبح في الفَلَكِ، كما قال تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ٤٠﴾ [يس: ٤٠].

  1. (١) أخرجه: ابن جرير في "تفسيره" (١٢/ ٤٢٠، ٤٢١) بأخصر من هذا اللفظ.
  2. (٢) انظر: "معاني القرآن" (٣/ ٢٣٠).
211

وقيل: هي السُّفُن تسبح في الماء.

وقيل: هي نفوس المؤمنين تسبح بعد المفارقة صاعدةً إلى ربِّها.

قلت: والصحيح أنَّها الملائكة، والسياق يدلُّ عليه، وأمَّا السُّفُن والنُّجُوم فإنَّما تسمَّى: جاريةً وجَوَارٍ، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ ٣٢﴾ [الشورى: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ١١﴾ [الحاقة: ١١]، وقال تعالى: ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ١٦﴾ [التكوير: ١٦]؛ ولم يُسَمِّها "سابحات"، وإن أطلق عليها فعل السباحة، كقوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ٤٠﴾ [يس: ٤٠].

ويدلُّ عليه ذِكْرُهُ "السَّابقات" بعدها و"المدبِّرات" بـ "الفاء"، وِذِكْرُهُ الثلاثةَ الأُوَلَ بـ "الواو"؛ ولأنَّ السَّبْقَ والتدبيرَ مسبَّبٌ عن المذكور قبله، فإنَّها نَزَعَتْ، ونَشِطَتْ، وسَبَحَتْ، فَسَبقَتْ إلى ما أُمرت به فَدَبَّرَتْهُ، ولو كانت "السَّابحات" هي السُّفُن أو النُّجُوم أو النُّفُوس الآدميَّة لَمَا عَطَفَ عليها فعل الَسَّبْقِ والتدبير بـ "الفاء"، فتأمَّلْهُ.

قال مسروق، ومقاتل١، والكلبي: " ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا ٤﴾: هم الملائكة".

قال مجاهد، وأبو رَوْق٢: "سبقت ابنَ آدم بالخير، والعمل الصالح، والإيمان، والتصديق".

  1. (١) "تفسيره" (٣/ ٤٤٥).
  2. (٢) هو عطية بن الحارث، أبو رَوْق الهَمْداني الكوفي، المحدِّث صاحب التفسير، روى له الأربعة إلا الترمذي.
    انظر: "تهذيب الكمال" (٢٠/ ١٤٣).
212

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي