وقال مقاتل: "تسبِقُ بأرواح المؤمنين إلى الجنَّة"١.
وقال الفرَّاء، والزجَّاج: "هي الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء إذ كانت الشياطين تسترق السمع"٢.
وهذا القول خطأ لا يخفَى فسادُه؛ إذ يقتضي الاشتراك بين الملائكة والشياطين في إلقائهم الوحي، وأنَّ الملائكة تسبقهم به إلى الأنبياء، وهذا ليس بصحيح. فإنَّ الوحي٣ الذي تأتي به الملائكة إلى الأنبياء لا تسترقه الشياطين، وهم معزولون عن سماعه وإن استرقوا بعض ما يسمعونه من ملائكة السماء الدنيا من أمور الحوادث، فالله - سبحانه - صَانَ وَحْيَهُ إلى أنبيائه أن تسترق الشياطينُ شيئًا منه، وَعَزَلَهم عن سمعه.
ولو أنَّ قائل هذا القول فسَّر "السَّابقات" بالملائكة التي تسبق الشياطين بالرَّجْم بالشُّهُب قبل إلقائه الكلمة التي استرقها لكان له وجهٌ، فإنَّ الشيطان يُدْبِرُ٤ مسرعًا لإلقاء٥ ما استرقه إلى وَليِّه، فتسبقه الملائكة في نزوله بالشُّهُب الثَّوَاقب فتُهْلِكُهُ، وربما ألقى الكلمةَ قبل إدراك الشِّهَاب له.
وفُسِّرت "السَّابقات سبقًا" بالأَنْفُس السابقات إلى طاعة الله - تعالى - ومرضاته.
(٣) من قوله: "وأن الملائكة تسبقهم. . ." إلى هنا؛ ملحق بهامش (ن).
(٤) في (ن) و(ك) و(ح) و(م): يبدر.
(٥) في (م): بإلقائه، وفي باقي النسخ: بإلقاء. وما أثبته هو الصواب.
وأمَّا "المدبِّرات أمرًا" فأجمعوا على أنَّها الملائكة١، ثُمَّ قال مقاتل: "هم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، ومَلَكُ الموت: يدبِّرُون أمر الله - تعالى - في الأرض، وهم "المقسِّمات أمرًا""٢.
قال عبد الرحمن بن سابط٣: "جبريل موكَّلٌ بالرِّياح وبالجنود٤، وميكائيل موكَّلٌ بالقَطْر والنَّبَات، ومَلَكُ الموت موكَّلٌ بقبض الأنفس، وإسرافيل ينزل بالأمر عليهم"٥.
وقال ابن عباس: "هم الملائكة، وكَّلَهم الله - تعالى - بأمورٍ عَرَّفَهم العملَ بها والوقوفَ عليها، بعضهم لبني آدم يحفظون ويكتبون،
(١) وحكى الإجماع: السمعاني في "تفسيره" (٦/ ١٤٦)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (١٥/ ٣٠٠)، وابن كثير في "تفسيره" (٨/ ٣١٣).
(٢) "تفسيره" (٣/ ٤٤٥ - ٤٤٦).
(٣) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط الجُمَحي، القرشي المكي، من فقهاء التابعين، كان ثقة كثير الحديث، توفي بمكة سنة (١١٨ هـ) ﵀. انظر: "طبقات ابن سعد" (٥/ ٤٧٢)، و"تهذيب الكمال" (١٧/ ١٢٣).
(٤) في (ز): وبالحبوب! وفي (ن) و(ك) و(ط): وبالجنوح!!
(٥) أخرجه: ابن أبي شيبة في "المصنف" رقم (٣٥٩٧٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" رقم (١٩١١٧)، وأبو الشيخ في "العظمة" رفم (٣٧٦ و٣٧٨ و٤٩٦)، والثعلبي في "الكشف والبيان" (١٠/ ١٢٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٥٦). وزاد السيوطي نسبته إلى: عبد بن حميد، وابن المنذر. "الدر المنثور" (٦/ ٥١٠). وقد جاء هذا المعنى مرفوعًا من حديث ابن عباس ﵄؛ أخرجه أبو الشيخ في "العظمة" رقم (٢٩١)، وانظر فيه تخريج المحقق للحديث فقد حسَّنَ إسناده.