التبيان

لكنْ هذا الوجه أَلْطَفُ مسلكًا؛ فإنَّ المُقْسَمَ به إذا كان دالًّا على المُقْسَمِ عليه مستلزِمًا له١ استغني عن ذِكْرِه بذِكرِه، وهذا غير كونه محذوفًا لدلالة ما بعده عليه؛ فتأمَّلْهُ.

ولعلَّ هذا قول من قال: إنَّه إنَّما أقسَمَ بِرَبِّ هذه الأشياء، وحَذَفَ المُضَاف، فإنَّ هذا معناه صحيحٌ لكن على غير الوجه الذي قَدَّرُوه، فإنَّ إقْسَامَهُ - سبحانه - بهذه الأشياء لظهور دلالتها على ربوبيته، ووحدانيته، وعلمه، وقدرته، وحكمته، فالإقسامُ بها - في الحقيقة - إقسامٌ بربوبيته وصفات كماله، فتأمَّلْهُ.

ثُمَّ قرَّرَ٢ - سبحانه - بعد٣ هذا القَسَم أَمْرَ المَعَاد، ونُبوَّةَ موسى ﷺ المستلزِمة لنُبوَّة محمدٍ ﷺ، إذ من المُحَال أن يكون موسى نبيًّا ومحمدٌ ليس نبيًّا، مع أنَّ كل ما يُثْبِت نُبوَّة موسى فَلِمحمدٍ نظيره أو أعظم منه.

وقَرَّر٤ - سبحانه - تكليمَهُ لموسى بندائه له بنفسه فقال تعالى: ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ﴾ [النازعات: ١٦] فأثبت النِّدَاءَ٥ المستلزِم للكلام والتكليم، وفي موضعٍ آخر٦ أثبت "النِّجَاءَ"٧، و"النِّدَاءُ" و"النِّجَاءُ"٨ نوعَا

  1. (١) ساقط من (ن) و(ك) و(ح) و(ط) و(م).
  2. (٢) في (ز): قدر.
  3. (٣) ساقط من (ك).
  4. (٤) في (ز): وقدر.
  5. (٥) ساقط من (ك) و(ح) و(ن) و(م).
  6. (٦) في سورة [مريم/ ٥٢]: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ٥٢﴾.
  7. (٧) من المُنَاجَاة وهي: المُسَارَّة. "القاموس" (١٧٢٣).
  8. (٨) تصحفت في (ز) و(ن) و(ك) و(ط) إلى: الإيحاء، في الموضعين.
218

التكليم؛ ومحالٌ ثبوت النَّوع بدون الجنس.

ثُمَّ أمره أن يخاطبه بأَلْيَنِ خطاب فيقول له: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى ١٨ وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ١٩﴾ [النازعات: ١٨ - ١٩]؛ ففي هذا من لُطْفِ الخطاب وَلِيْنهِ وجوهٌ:

أحدها: إخراجُ الكلام مُخْرَجَ العَرْض، ولم يُخْرِجْهُ مُخْرَجَ الأمر والإلزام؛ وهو ألطف.

ونظيره قول، إبراهيم ﵇ لضيفه المُكْرَمين: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ ٢٧﴾ [الذاريات: ٢٧]، ولم يقل: كُلُوا.

الثاني: قوله: ﴿إِلَى أَنْ تَزَكَّى ١٨﴾؛ والتَّزَكِّي: النَّمَاء، والطهارة١، والبركة، والزيادة. فعَرَضَ عليه أمرًا يقبله كلُّ عاقلٍ، ولا يردُّه إلا كلُّ أحمقٍ جاهلٍ.

الثالث: قوله: ﴿تَزَكَّى ١٨﴾ ولم يقل: أُزكِّيكَ، فأضاف التزكية إلى نفسه، وعلى هذا يخاطَبُ الملوك.

الرابع: قوله: ﴿وَأَهْدِيَكَ﴾ أي: أكون دليلًا لك، وهاديًا بين يديك. فنسب الهداية إليه، والتزكِّي إلى المخاطَب. أي: أكون دليلًا لك وهاديًا فَتَتَزَكَّى أنتَ، كما تقول للرجل: هل لك أنْ أَدُلَّكَ على كنزٍ تأخذ منه ما شئتَ؟ وهذا أحسن من قوله: أُعطِيكَ.

الخامس: قوله: ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾ فإنَّ في هذا ما يوجب قبول ما دلَّهُ٢

  1. (١) في (ز): الظهور! تصحيف.
  2. (٢) في (ز) و(ط) و(م): دَلَّ.
219

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي