التبيان

عليه، وهو أنَّه يدعوه ويوصله إلى ربِّه فاطِرِه وخالِقِه الذي أوجده، وربَّاهُ بنعَمِهِ: جَنِينًا، وصغيرًا، وكبيرًا، وآتاه المُلْك. وهذا نوعٌ من خطاب الاستعطاف والإلزام، كما تقول لمن خرج عن طاعة سيِّدِه: أَلَا تطيع سَيِّدَكَ ومولاكَ ومالِكَكَ؟ وتقول للولد: أَلَا تطيع أباكَ١ الذي ربَّاكَ.

السادس: قوله: ﴿فَتَخْشَى ١٩﴾ أي: إذا اهتديتَ إليه وعرفتَهُ خشيته؛ لأنَّ من عَرَفَ اللهَ خافَهُ، ومن لم يعرفه لم يَخَفْه. فخشيته - تعالى - مقرونةٌ بمعرفته، وعلى قدر المعرفة تكون الخشية.

السابع: أنَّ في قوله: ﴿هَلْ لَكَ﴾ فائدةٌ لطيفةٌ؛ وهي أنَّ المعنى: هل لك في ذلك حاجةٌ أو أَرَبٌ؟ ومعلومٌ أنَّ كلَّ عاقِلٍ يبادر إلى قبولِ ذلك؛ لأنَّ الداعي إنَّما يدعوه إلى حاجته ومصلحته، لا إلى حاجة الداعي، فكأنَّه يقول: الحاجة لك، وأنتَ المُتَزكِّي، وأنا الدليل لك، والمُرْشِدُ لك إلى أعظم مصالحك.

فَقَابَلَ هذا بغاية الكفر والعِنَاد، وادَّعَى أنَّه ربُّ العباد، هذا وهو يعلم أنَّه ليس بالذي خَلَقَ فسَوَّى، ولا قدَّرَ فَهَدَى، فكذَّبَ الخَبَر، وعصَى الأمر، ثُمَّ أدبر يسعى بالخديعة والمكر، فحَشَرَ جنوده فأجابوه، ثُمَّ نادى فيهم بأنَّه ربُّهم الأعلى، واستخفَّهم فأطاعوه، فبطش به جبَّارُ السماوات والأرض بطْشَةَ عزيزٍ مقتدِرٍ، وأخذَهُ نكَالَ الآخرة والأُولَى، ليعتبر بذلك من يعتبر، فاعتَبرَ بذلك من خَشِيَ ربَّهُ من المؤمنين، وحقَّ القولُ على الكافرين.

ثُمَّ أقام - سبحانه - حُجَّته على العالمين بخلق ما هو أشدُّ منهم

  1. (١) في (ز): والدك.
220

وأكبر، وأعظم، وأعلى، وأرفع؛ وهو خلْقُ السماء وبناؤها، ورفْعُ سَمْكِها وتسويتُها، وإظْلَامُ ليلِها، وإخراجُ ضُحَاها.

وخَلَقَ الأرض، ومدَّها، وبَسَطَها، وهَيَّأَها لما يُراد منها، فأخرج منها شراب الحيوان وأقواتهم، وأَرْسَى الجبالَ فجعلها رواسي١ للأرض، لئلا تميد بأهلها، وأودَعَها من المنافعِ ما يتمُّ به مصالح الحيوان الناطق والبهيم، فمن قدر على ذلك كله كيف يعجز عن إعادتكم خلقًا جديدًا؟!

فتأمَّلْ دلالةَ المُقْسَم به المذكور في أوَّل السورة على المَعَاد، والتوحيد، وصِدْقِ الرُّسُل؛ كدلالة هذا الدليل٢ المذكور، وإذا كان هذا هو المقصود لم يكن محتاجًا إلى جواب، والله - تعالى - أعلم.

  1. (١) ساقط من (ك).
  2. (٢) تصحفت في (ز) إلى: الليل!
221

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي