التبيان

والثاني: تكذيبٌ منه بيوم القيامة، وأنَّه يريد أن يكذِّب بما وَضَحَ وبانَ دليلُ وقوعه وثبوته، فهو مريدٌ للتكذيب به، ثُمَّ أخبر عن تصريحه بالتكذيب فقال ﷿: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ٦﴾ [القيامة: ٦].

فالأوَّل: إرادةٌ للتكذيب.

والثاني: نطقٌ١ بالتكذيب وتكلُّمٌ به.

وهذا قول قويٌّ كما ترى، لكن ينبغي إفراغ هذه الألفاظ في قوالب هذا المعنى، فإنَّ لفظة "يَفْجُر" إنَّما تدلُّ على عمل الفجور لا على التكذيب، وحَذْفُ الموصول مع ما جَرَّهُ وإبقاءُ الصِّلَة خلاف الأصل، فإنَّ أصحاب هذا القول قالوا: تقديره: ليكفر بما أمامه. وهذا المعنى صحيحٌ، لكن دلالة هذا اللفظ عليه ليست بالبيِّنَةِ.

والجواب: أنَّ الأمر كذلك، لكن٢ الفعل إذا ضُمِّنَ معنى فعلٍ٣ آخر لم يلزم إعطاؤهُ حكمَهُ من جميع الوجوه، بل من جلالة هذه اللغة العظيمة الشأن وجزالتها أن يذكر المتكلم فعلًا، ويُضِمِّنَه معنى فعلٍ آخر، ويجري على المُضَمَّنِ٤ أحكامَهُ لفظًا، وأحكامَ الفعل الآخر معنىً، فيكون في قوَّة ذِكْرِ الفِعْلَين مع غاية الاختصار، ومن تدبَّرَ هذا وجَدَهُ كثيرًا في كلام الله تعالى.

فلفظة "يَفْجُر" اقتضت "أمَامَهُ" بلا واسطة حرفٍ ولا اسمٍ موصول،

  1. (١) في (ز) و(ن) و(ك) و(ط): تعلق!
  2. (٢) ساقط من (ز).
  3. (٣) ساقط من (ز).
  4. (٤) في (ك): المضمر.
235

فأعطيت ما اقتضته لفظًا، واقتضى ما تضمَّنته من الفعل ذكر الحرف والموصول، فأعطيته معنىً. فهذا وجه هذا القول لفظًا ومعنىً، والله أعلم.

ثُمَّ أخبر - سبحانه - عن حال هذا الإنسان إذا شاهد اليوم الذي كذَّبَ به، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ ٧ وَخَسَفَ الْقَمَرُ ٨ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ٩ يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ ١٠﴾ [القيامة: ٧ - ١٠]، فيبرق بصره، أي: يَشْخَص لما يشاهده من العجائب التي كان يكذِّب بها. و"خَسَفَ القمر": ذهب ضوؤه وانْمَحَى، وجُمِعَ الشمسُ والقمرُ ولم يجتمعا قبل ذلك، بل يجمعهما الذي يجمع عظام الإنسان بعدما فرَّقَها البِلَى ومزَّقَها، ويَجْمَعُ للإنسان يومئذٍ جميع عمله الذي قدَّمه وأخَّره من خَيرٍ أو شرٍّ. ويَجْمَعُ ذلك من جَمَعَ القرآنَ في صدر رسوله ﷺ، ويجمع المؤمنين في دار الكرامة، فيكرِمُ وجوهَهم بالنظر إليه، ويجمع المكذِّبين في دار الهَوَان، وهو قادِرٌ على ذلك كلِّه؛ كما جمع خلق الإنسان من نطفةٍ من مَنِيٍّ يُمْنَى، ثُمَّ جعله عَلَقَةً مجتمعة الأجزاء بعدما كانت نطفةً متفرِّقةً في جميع بدن الإنسان، وكما يجمع بين الإنسان ومَلَك الموت، ويجمع بين السَّاق والسَّاق؛ إمَّا سَاقَا الميت، وإمَّا سَاقَا من يُجهِّزُ بدنه من البشر، ومن يُجهِّزُ روحه من الملائكة، أو يجمع عليه شدائد الدنيا والآخرة.

فكيف ينكر هذا الإنسانُ أن يُجْمَعَ بينه وبين عمله وجزائه، وأن يُجْمَعَ مع بني جنسه ليوم الجَمْع، وأن يُجْمَعَ عليه بين أمر الله ونهيه وعبوديته، فلا يترك سُدَىً مُهْمَلًا مُعَطَّلًا، لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهَى، ولا يُثاب ولا يُعَاقَب، فلا يُجْمَعُ عليه ذلك؟!

236

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي