في مصالح دينهم ودنياهم، مع ما يتَّصل بذلك من الاستدلال به على وَحْدَانِيَّته، وكمال حكمته، وعلمه، وتدبيره. فشهادةُ الحقِّ١ بتغيُّر٢ الأجرام الفلكية، وقيامُ أدلَّة الحدوث والخَلْق عليها. فهي آياتٌ ناطِقةٌ بلسان الحال على تكذيب الدهريَّةِ، وزنادقةِ الفلاسفة، والملاحدة؛ القائلين: بأنَّها أَزَلِيَّةٌ أبَدِيَّةٌ لا يتطرَّقُ إليها التغيير، ولا يمكن عَدَمُها.
فإذا تأمَّلَ البصيرُ "القَمَرَ" مثلًا، وافتقَارَهُ إلى مَحَلٍّ يقوم به، وسيرَهُ دائبًا٣ لا يتغيَّر، مُسَيَّرٌ، مسخَّرٌ، مدبَّرٌ٤، وهبوطَهُ تارةً، وارتفاعَهُ تارةً، وأُفُولَهُ تارةً، وظهورَهُ تارةً، وذهابَ نوره شيئًا فشيئًا، ثُمَّ عَوْدَهُ إليه كذلك، وذهابَ ضوئه جملةً واحدةً حتَّى يعود قطعةً مظلمةً بالكُسُوف = عَلِمَ - قطعًا - أنَّه مخلوقٌ مربوبٌ، مسخَّرٌ تحت أمر خالقٍ قاهرٍ مسخِّرٍ له كما يشاء، وعَلِمَ أنَّ الرَّبَّ - سبحانه - لم يخلق هذا باطلًا، وأنَّ هذه الحركة فيه لا بدَّ أن تنتهي إلى الانقطاع والسكون، وأنَّ هذا الضوءَ والنُّورَ لا بدَّ أن ينتهي إلى ضِدَّه، وأنَّ هذا السلطان لا بدَّ أن ينتهي إلى العَزْل، وسيجمع بينهما جامع المتفرِّقَات بعد أن لم٥ يكونا مجتمعَين٦، ويذهب بهما حيث شاء، ويُرِي المشركين من عَبَدَتِهما حالَ آلهتهم التي عبدوها من دونه، كما يُرِي عُبَّادَ
(١) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: الخلق.
(٢) من (ح)، وفي باقي النسخ: بتغيير.
(٣) ملحق بهامش (ك).
(٤) ساقط من (ز).
(٥) ساقط من (ز).
(٦) بياض في (ز).
الكواكبِ انتثارَها، وعُبَّادَ السماءِ انفطارها، وعُبَّادَ الشمسِ تكويرها، وعُبَّادَ الأصنام إهانتها وإلقاءها في النَّار أحقرَ شيءٍ وأذلَّه وأصغَرَهُ، كما أَرَى عُبَّادَ العِجْل في الدنيا حالَه، ومَبَارِدُ عِبَادِهِ تَسْحَقُهُ وتَمْحَقُهُ، والرِّيحُ تمزِّقُه وتَذْرُوه وتَنسِفُه في اليَمِّ، وكما أَرَى عُبَّادَ الأصنام في الدنيا صُوَرَها مكسَّرَةً مُخَرْدَلَةً مُلقاةً بالأمكنة القَذِرَة، ومعاوِلُ الموحِّدِين قد هشَّمَت منها تلك الوجوه، وكسَّرَت تلك١ الرؤوس، وقطَّعت تلك الأيدي والأرجل التي كانت لا يُوصَلُ إليها بغير التقبيل والاستلام.
وهذه سُنَّتُهُ التي لا تُبدَّل، وعادته التي لا تُحَوَّل: أنَّه يُرِي عابِد غيره حالَ معبوده في الدنيا والآخرة، وإن كان المعبودُ غير راضٍ بعبادته٢ أَرَاهُ تَبَرِّيهِ منه، ومعاداته له؛ أحوجَ ما يكون إليه، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾[الأنفال: ٤٢]، ويعلم الذين كفروا أنَّهم كانوا كاذبين.
وقد خُطَّ فيها لو تأمَّلْتَ خَطَّها"أَلَا كُلُّ شيءٍ ما خَلَا اللهَ باطِلُ"٣
(١) ساقط من (ن) و(ك) و(ط).
(٢) في (ح) و(م): بعبادة غيره.
(٣) البيتان لركن الدِّين ابن القَوبَع المالكي؛ محمد بن محمد بن عبد الرحمن الجعفري التونسي (٧٣٨ هـ)، شيخ الديار المصرية والشامية. انظر: "أعيان العصر" (٥/ ١٦٣)، و"الدرر الكامنة" (٤/ ١٨٣)، و"بغية الوعاة" (١/ ٢٢٨)، و"ريحانة الألبا" (١/ ٢١٦)، ولفظه: تأمَّلْ صحيفَاتِ الوُجُودِ فإنَّها … من الجانب السَّامي إليكَ رَسَائلُ وقد خطَّ فيها إنْ تأمَّلْتَ خطَّهَا … "أَلَا كلُّ شيءٍ ما خَلَا الله باطِلُ" وعجز البيت الثاني مُضَمَّنٌ من قصيدةٍ للبيد بن ربيعة "ديوانه" (١٤٥).