التبيان

ولو شاء - تعالى - لأَبْقَى "القَمَرَ" على حالةٍ واحدةٍ لا يتغيَّر، وجعل التغيُّرَ في "الشمس"، ولو شاء لَغَيَّرَهُما معًا، ولو شاء لأبقاهما معًا على حالةٍ واحدةٍ، ولكنْ يُرِي عبادَه آياته في أنواع تصاريفها لِيَدُلَّهُم على أنَّه اللهُ الذي لا إله إلا هو المَلِكُ الحقُّ المُبِينُ، الفعَّالُ لما يريد ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ٥٤﴾ [الأعراف: ٥٤].

وأمَّا تأثير "القَمَرِ" في ترطيب أبدان الحيوان والنَّبات، وفي المياه، وجَزْرِ البحر ومَدِّهِ، وبُحْرَانات١ الأمراض، وتنقلِها من حالٍ إلى حالٍ، وغير ذلك من المنافع = فأمرٌ ظاهِرٌ.

فصل

وأمَّا إقسامُه - سبحانه - بـ "الليل إذ أدبر" فَلِمَا في إدباره وإقبال النَّهار من أَبْيَنِ الدلالات الظاهرة على المبدأ والمَعَاد، فإنَّه مبدأٌ ومَعَادٌ يوميٌّ مشهودٌ بالعِيَان، بَيْنا الحيوان في سكون الليل وقد هدأت حركاتهم، وسكنت أصواتهم، ونامت عيونهم، وصاروا إخوان الأموات، إذ أقبل من٢ النَّهار دَاعِيه، وأسمعَ الخلائقَ مُنَادِيه، فانتشرت منهم الحركات، وارتفعت منهم الأصوات، حتَّى كأنَّهم قاموا

  1. (١) "بُحْرانات الأمراض": جمع (بُحْرَان)، وهو عند الأطباء: التغيُّر الذي يحدُثُ للعليل دفعةً في الأمراض الحادَّة، ولفظُه مولَّد.
    قال الشيخ داود الأنطاكي: "البُحْران - بالضمِّ - لفظةٌ يونانية، وهو عبارةٌ عن الانتقال من حالةٍ إلى أخرى، في وقتٍ مضبوط بحركةٍ عُلْوِيةٍ، وأكثر ارتباطه بحركة القمر. . .".
    انظر: "الصحاح" (٢/ ٥٨٦)، و"تاج العروس" (١٠/ ١٢١) وفيه تتمة كلام الأنطاكي.
  2. (٢) ساقط من (ك).
255

أحياءً من القبور، يقول قائلهم: "الحَمْدُ للهِ الذي أحيَانَا بعدَمَا أمَاتَنَا وإليه النُّشُور"١، فهو مَعَادٌ جديدٌ، أَبْدَأَهُ وأَعَادَهُ الذي يُبْدِئُ ويُعِيدُ، فمَنْ ذَهَب بالليل وجاء بالنَّهار سوى الواحد القهَّار؟

فمن تأمَّلَ حال الليلِ إذا عَسْعَسَ وأَدْبَرَ، والصُّبْحِ إذا تنفَّسَ وأَسْفَرَ، فهزمَ جيوشَ الظلام بنَفَسِهِ، وأضاءَ أُفُقَ العالَم بِقَبَسِه، وفَلَّ كتائبَ المواكب بعساكره، وأضحكَ نواحي الأرض بتباشِيره وبشائره، فيالَهُما آيتان شاهدتان بوحدانية مُنْشِئِهما، وكمالِ ربوبيته، وعظيم قدرته وحكمته.

فتبارَك الذي جعل طلوعَ الشمس وغروبَها مقيمًا لسلطان الليل والنَّهار، فلولا طلوعها لبَطَلَ أمرُ العالَم كلِّه، فكيف كان النَّاس يَسْعَون في معايشهم، ويتصرَّفُون في أمورهم؛ والدنيا مظلمةٌ عليهم؟! وكيف كانت تَهْنِيهم الحياة مع فقْد لذَّة النُّورِ وروحه؟! وأىُّ ثمارٍ ونباتٍ وحيوانٍ كان يوجد؟! وكيف كانت تتمُّ مصالح أبدان الحيوان والنَّبَات؟! ولولا غروبُها لم يكن للنَّاس هُدُوءٌ ولا قَرَارٌ٢، مع عِظَمِ حاجتهم إلى الهُدُوءِ؛ لراحة أبدانهم، وجُمُومِ حواسِّهم٣. فلولا جُثُوم هذا الليل

  1. (١) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (٦٣١٢، ٦٣١٤، ٦٣٢٤، ٧٣٩٤) من حديث حذيفة ﵁، ورقم (٦٣٢٥، ٧٣٩٥) من حديث أبي ذرٍّ ﵁. وأخرجه: مسلم في "صحيحه" رقم (٢٧١١) من حديث البراء ﵁.
  2. (٢) في (ز): هو ولا قدار!
  3. (٣) في (ز): جمومٌ حواسمهم، وفي (ن): جمومٌ حواسم! والمثبت من (ح) و(م) و(ط).
    و"الجُمُوم": مصدر جَمَّ يَجُمُّ: اجتَمَع وكَثُر.
    والمعنى: أنَّه بغروب الشمس تهدأ الحواسُّ وتسكن، فتجتمع فيها قُوَاها من =
256

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي