التبيان

عليهم بظلمته لَمَا هَدَأُوا، ولا قَرُّوا، ولا سكنوا، بل جعله أحكم الحاكمين سَكَنًا ولباسًا، كما جعل النَّهار ضياءً ومعاشًا.

ولولا الليل وبَرْدُه لاحترقت أبدان النَّبَات والحيوان من دوام١ شُرُوق الشمس عليها، وكان يحترق ما عليها من نباتٍ وحيوانٍ، فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن جعلها سراجًا يطلع على العالم في وقت حاجتهم إليه، ويغيب في وقت استغنائهم عنه. فطُلُوعُه لمصلحتهم، وغيبته لمصلحتهم، وصار النُّور والظُّلْمة - على تضادِّهِما - متعاوِنَين مُتظَاهِرَيْن على مصلحة هذا العالَم وقِوَامه. فلو جعل الله - سبحانه - النَّهار سرمدًا إلى يوم القيامة، أو الليل سرمدًا إلى يوم القيامة؛ لفاتت مصالح العالم، واشتدت الضرورة إلى تغيير ذلك وإزالته بضدِّه.

وتأمَّلْ حكمته - سبحانه - في ارتفاع الشمس وانخفاضها لإقامة هذه الأزمنة٢ الأربعة من السَّنَة، وما في ذلك من مصالح الخلق:

ففي الشتاء تَغُور الحرارة في الشجر والنَّبَات، فيتولَّدُ منها موادُّ الثِّمار، ويَكثُفُ٣ الهواءُ، فينشأُ منه السَّحاب، وينعقد٤، فيحدث المطر الذي به حياةُ الأرض، ونَمَاءُ أبدان الحيوان والنَّبَات، وحصولُ

  1. = جديد، فيعود لها نشاطها.
    انظر: "مختار الصحاح" (١٢٧)، و"لسان العرب" (٢/ ٣٦٦).
  2. (١) ساقط من (ز).
  3. (٢) سقطت صفحة كاملة من (ك)، تبدأ من قوله: "وأسمَعَ الخلائق مناديه. . ." إلى هنا!
  4. (٣) في جميع النسخ: ويكف، والصواب ما أثبته.
  5. (٤) في (ن) و(ح) و(م): ويتعقد.
257

الأفعال والقُوَى، وحركاتُ الطبائع.

وفي الصيف يَحْتَدِمُ١ الهواءُ، فَتَنْضُج الثمارُ، وتشتدُّ الحُبُوبُ، ويَجِفُّ وجهُ الأرض، فيتهيَّأ للعمل.

وفي الخريف يَصْفُو الهواءُ، وتبرد الحرارة، ويمتدُّ الليل، وتستريح الأرض والشجر للحملِ والنَّبَاتِ مرةً ثانيةً، بمنزلة راحة الحامل بين الحَمْلَين.

ففي هذه الأزمنة٢ مَبْدَأٌ ومَعَادٌ مشهودٌ، وشاهِدٌ بالمبدأ والمَعَاد الغَيبِيِّ.

والمقصود أنَّ بحركة هذين النَّيِّرَيْن تتمُّ مصالح العالم، وبذلك يظهرُ الزَّمَانُ، فإنَّ الزَّمَانَ مقدارُ الحركة.

فـ "السَّنَةُ الشَّمْسيَّةُ" مقدارُ سير الشمس من نقطة "الحَمَل"٣ إلى

  1. (١) في جميع النسخ: يخدم، والصواب ما أثبته.
    والاحتدام: شِدَّة الحرِّ، يقال: احتدم النَّهار؛ إذا اشتدَّ حَرُّهُ، ويومٌ مُحْتَدِمٌ: شديد الحَرِّ.
    انظر: "أساس البلاغة" (١/ ١٦٠)، و"لسان العرب" (٣/ ٨٩).
  2. (٢) سَهَا المؤلف ﵀ عن فصل "الربيع"، وقد ذكره في "الصواعق المرسلة" (٤/ ١٥٧٠) على نسق كلامه هنا.
  3. (٣) "الحَمَلُ": أحد بروج السماء، وعددها اثنا عشر برجًا عند العرب وجميع الأمم، وقد يسمى بـ "الكَبْش"، والشمس تقطع السماء في سنة كاملة، وتقيم في كل برجٍ شهرًا.
    انظر: "الأنواء" لابن قتيبة (١٠٣، ١٢٠، ١٢٨)، و"الأنواء والأزمنة" لابن عاصم الثقفي (٢٤، ٣١ - ٣٢).
258

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي