التبيان

لا إليهم. فالأوَّل: عدْلُهُ، والثاني: فضْلُهُ.

فالأوَّلُ: يوجب السعيَ، والطَّلَبَ، والحرصَ على ما يُنْجِيهم، كما يفعلون ذلك في مصالح دنياهم، بل أشدُّ.

والثاني: يوجب الاستعانة، والتوكُّل، والتفويض، والرغبة إلى مَنْ ذلك بيده لِيُسَهِّلَه، ويوفِّقَهم له. والله المستعان، وعليه التكلان.

263

فصل

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ٣٨ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ ٣٩ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ٤٠﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٤٠] إلى آخرها.

قال مقاتل: "بما تبصرون١ من الخلق، وما لا تبصرون منه"٢.

وقال قتادة: "أَقْسَمَ بالأشياءِ كلِّها؛ ما يُبْصَرُ منها، وما لا يُبْصَر".

وقال الكلبي: "ما تبصرون من شيءٍ، وما لا تبصرون من شيءٍ"٣.

وهذا أَعَمُّ قَسَمٍ وقع في القرآن، فإنَّه يَعُمُّ العُلْوِيَّات والسُّفْلِيَّات، والدنيا والآخرة، وما يُرَى وما لا يُرَى، ويدخل في ذلك الملائكةُ كلُّهم، والجِنُّ، والإنسُ، والعرشُ، والكرسيُّ، وكلُّ مخلوقٍ، وذلك كلُّه من آيات قدرته وربوبيته، وهو - سبحانه - يصرِّفُ الأقسام كما يصرِّفُ الآيات.

ففي ضمن هذا القَسَم أنَّ كلَّ ما يُرَى وما لا يُرَى آيةٌ ودليلٌ على صدق رسوله، وأنَّ ما جاء به هو من عند الله، وهو كلامُهُ، لا كلامُ شاعرٍ، ولا مجنونٍ، ولا كاهنٍ.

ومن تأمَّلَ المخلوقاتِ، ما يراه منها وما لا يراه، واعتبر ما جاء به الرسول بها، ونَفَّلَ فكرته في مجاري الخلق والأمر = ظَهَرَ له أنَّ

  1. (١) من قوله تعالى: "وما لا تبصرون. . ." إلى هنا؛ ملحق بهامش (ن).
  2. (٢) "تفسيره" (٣/ ٣٩٥).
  3. (٣) انظر لهذه الأقوال وغيرها: "معالم التنزيل" (٨/ ٢١٤)، و"الوسيط" (٤/ ٣٤٨)، و"المحرر الوجيز" (١٥/ ٧٩).
264

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي