الغير. ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾[السجدة: ١٣]، ونظيره قوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾[النحل: ١٠٢]، ونظيره قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ١﴾[الزمر: ١]، وقوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ٤٢﴾[فصلت: ٤٢]؛ وما كان من الله فليس بمخلوقٍ.
ولا ينتقضُ هذا بأنَّ الرِّزْقَ والمطر وما في السماوات والأرض جميعًا منه، وهو مخلوقٌ؛ لأنَّ ذلك كلَّه أعيانٌ قائمةٌ بأنفسها، وصفاتٌ وأفعالٌ لتلك الأعيان، فإضافتها إلى الله - سبحانه - وأنَّها منه إضافةَ خَلْقٍ، كإضافة بيته، وعبده، وناقته، وروحه، وبابه إليه، بخلاف كلامه فإنَّه لا بدَّ أن يقوم بمتكلِّم؛ إذ كلامٌ من غير متكلِّمٍ كَسَمْعٍ من غير سامعٍ، وبصرٍ من غير مُبْصِرٍ، وذلك عينُ المُحَال، فإذا أُضِيف إلى الرَّبِّ كان بمنزلة إضافة سمعه، وبصره، وحياته، وقدرته، وعلمه، ومشيئته إليه.
ومن زعم أنَّ هذه إضافة مخلوقٍ إلى خالقٍ فقد زعم أنَّ الله - تعالى - لا سمعَ له، ولا بصرَ، ولا حياةَ، ولا قُدْرةَ، ولا مشيئة تقوم به، وهذا هو التعطيل الذي هو شرٌّ من الإشراك.
وإن زعم أنَّ إضافةَ السمع، والبصرِ، والعلمِ، والحياةِ، والقدرةِ إضافةُ صفةٍ إلى موصوف، وإضافَةَ الكلام إليه إضافَةُ مخلوقٍ إلى خالق = فقد تناقض وخَرَج عن مُوجِب العقل، والفطرة، والشرع، ولغات الأُمم، وفَرَّقَ١ بين متماثلين حقيقةً، وعقلًا، وشرعًا، وفطرةً، ولغةً.
وتأمَّلْ كيف أضافه - سبحانه - إلى الرسول ﷺ بلفظ "القول"،
(١) ساقط من (ز).
وأضافه إلى نفسه١ بلفظ "الكلام" في قوله ﷿: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾[التوبة: ٦]، فإنَّ الرسول يقول للمُرْسَلِ إليه ما أُمِرَ بقوله، فيقول: قلتُ له كذا وكذا، وقلتُ له ما أمرتني أن أقوله، كما قال المسيح: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾[المائدة: ١١٧]، والمُرْسِلُ يقول للرسول: قُلْ لهم كذا وكذا، كما قال ﷾: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾[إبراهيم: ٣١]، ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾[الإسراء: ٥٣]، ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾[النور: ٣٠]، ونظائره. فإذا بلَّغَ الرسولُ ذلك صحَّ أن يقال: قال الرسول كذا وكذا، وهذا قول الرسول - أي: قاله مبلِّغًا -، وهذا قوله مبلِّغًا عن مُرْسِلِهِ. ولم يجئ في شيءٍ من ذلك: (تَكلَّمْ لهم بكذا وكذا)، ولا (تكلَّمَ الرسولُ بكذا وكذا)، ولا (إنَّه لكَلَامُ رسولٍ كريمٍ)، ولا في موضعٍ واحدٍ، بل قيل للصدِّيق - وقد تَلَا آيةً -: هذا كلامُك وكلامُ صاحِبِك، فقال: "ليس بكلامي، ولا كلام صاحبي؛ هذا كلام الله"٢.
فصل
الأمر الثالث - ممَّا تضمَّنَهُ قولُه: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ٨٠﴾[الواقعة: ٨٠]-: أنَّ ربوبيته الكاملة لخلقه تأبى أن يتركهم سُدَىً: لا يأمرهم، ولا ينهاهم، ولا يرشدهم إلى ما ينفعهم، ويحذِّرُهم ممَّا
(١) من قوله: "بلفظ القول. . ." إلى هنا؛ ملحق بهامش (ز).
(٢) أخرجه: عبد الله بن أحمد في "السُّنَّة" رقم (١١٦)، ومن طريقه البيهقي في "الاعتقاد" (١٠٨)، وفي "الأسماء والصفات" رقم (٥١٠)، والبخاري تعليقًا في "خلق أفعال العباد" رقم (٩٢)، وابن خزيمة في "التوحيد" (١/ ٤٠٤)، ومن طريقه: الأصبهاني في "الحجة" (١/ ٢٩١)، وغيرهم. وذكر البيهقي له متابعةً، ثم قال: "وهذا إسنادٌ صحيح".