التبيان

حال الرسول من كلِّ وجهٍ، بل حالهم من أظهر الأدلَّة على صدق الرسول.

ومن حكمة الله - سبحانه - أن أخرج مثل هؤلاء إلى الوجود لِيُعْلَم حالُ الكذَّابين وحالُ الصادقين، وكان ظهورهم من أَبْيَنِ الأدلَّة على صدقِ الرُّسُل، والفرقِ بين هؤلاء وبينهم، "فَبِضِدِّها تَتَبيَّنُ الأشياءُ"١، "والضدُّ يُظْهِرُ حُسْنَهُ الضدُّ"٢، فمعرفة أدلَّةِ الباطل وشُبَهِهِ من أنواع أدلَّة الحقِّ وبراهينه.

فلمَّا سمع ذلك قال: معاذَ الله؛ لا نقول إنَّه مَلِكٌ ظالِمٌ، بل نبيٌّ كريمٌ، من اتَّبعه فهو من السعداء، وكذلك من اتَّبع موسى فهو كمن اتَّبع محمدًا!

قلتُ له: بَطَلَ كلُّ ما تُمَوِّهُون به بعد هذا٣؛ فإنكم إذا أقررتُم أنَّه نبيٌّ صادِقٌ؛ فلا بدَّ من تصديقه في جميع ما أخبر به، وقد عَلِمَ أتباعُهُ وأعداؤُهُ - بالضرورة - أنَّه دعا النَّاس كلَّهم إلى الإيمان به، وأخبر أنَّ مَنْ لم يؤمن به فهو كافرٌ مخلَّدٌ في النَّار، وقاتَلَ من لم يؤمن به من أهل الكتاب، وأَسْجَلَ٤ عليهم بالكفر، واستباح أموالهم ودماءهم ونساءهم

  1. (١) هذا عجز بيت للمتنبي "ديوانه" (١٢٧)، وصدره:
    ونَذيمُهُمْ وبِهِمْ عَرَفْنَا فَضْلَهُ
  2. (٢) وهذا عجز بيت لأبي الشيص الخزاعي "ديوانه" (١٢٨)، وصدره:
    ضِدَّانِ لما استجمعا حَسُنَا
  3. (٣) ساقط من (ز) و(ن) و(ك) و(ط)، وأثبته من (ح) و(م).
  4. (٤) أَسْجَل الكلام: أرسله، وأَسْجَل الأمر لهم: أطلقه.
    والمعنى أنَّه أطلق عليهم وصف "الكفر" ورماهم به.
    انظر: "لسان العرب" (٦/ ١٨١)، و"التكملة والذيل والصلة" (٦/ ١٣٣).
273

وأبناءهم. فإن كان ذلك عُدْوانًا منه وجَوْرًا لم يكن نبيًّا، وعاد الأمر إلى القَدْحِ في الرَّبِّ تعالى، وإن كان ذلك بأمر الله ووحيه لم تَسَعْ مخالفتُه، وتَرْكُ اتِّباعه، ولَزِمَ تصديقُه فيما أخبر به، وطاعتُه فيما أمر.

وقد أرشد - سبحانه - إلى هذا المَسْلَك في غير موضعٍ من كتابه:

فقال١ تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ٤٤ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ٤٥ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ٤٦ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ٤٧﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧]، يقول سبحانه: لو تقوَّلَ علينا قولًا واحدًا من تلقاء نفسه لم نَقُلْهُ، ولم نُوحِهِ إليه؛ لَمَا أقررناه، وَلأَخَذْنا بيمينه، ثُمَّ أهلكناه.

هذا أحد القولين.

قال ابن قتيبة: "في هذا قولان: أحدهما: أنَّ "اليمينَ" ها هنا: القوَّةُ والقدرةُ، وأقام "اليمين" مقام القوَّة؛ لأنَّ قوَّة كلِّ شيءٍ في ميامنه".

قلتُ: وعلى هذا تكون "اليمين" من صفة الآخِذِ.

قال: "وهذا قول ابن عباس في اليمين".

قال: "ولأهل اللغة في هذا مذهبٌ آخر، وهو أنَّ الكلامَ وَرَدَ على ما اعتاده النَّاسُ من الأخذ بيد من يُعَاقَب، وهو قولهم إذا أرادوا عقوبةَ رَجُلٍ: "خُذْ بيده"، وأكثر ما يقوله السلطان والحاكم بعد وجوب الحكم: خُذْ بيده، واسْفَعْ بيده٢. فكأنَّهُ قال: لو كَذَبَ علينا في شيءٍ

  1. (١) هذا الموضع الأول.
  2. (٢) واسْفَعْ بيده: أي خُذْ بيده، وسَفَع يَسْفَعُ سَفْعًا: جَذَبَ وأَخَذ وقَبَض.
    انظر: "لسان العرب" (٦/ ٢٨٢).
274

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي