التبيان

و"الأَبْهَر": عِرْقٌ يتصل بالقلب فإذا انقطع مات صاحبه١، فكأنَّه قال: فهذا أَوَانُ قَتَلَني السَّمُّ، فكنتُ كَمَنْ انقطع أبْهَرُهُ"٢.

ثُمَّ قال سبحانه: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ٤٧﴾ [الحاقة: ٤٧] أي: لا يحجزه منِّي أحدٌ، ولا يمنعه منِّي.

الموضع الثاني: قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ٢٤﴾ [الشورى: ٢٤]. وفي معنى الآية للنَّاس قولان:

أحدهما: قول مجاهد ومقاتل٣: "إن يشأ الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم، حتَّى لا يشقَّ عليك"٤.

والثاني: قول قتادة: "إنْ يشأ الله يُنْسيكَ القرآنَ، ويقطع عنك الوحي"٥.

وهذا هو القولُ، دون الأوَّل؛ لوجوه:

أحدها: أنَّ هذا خرج جوابًا لهم، وتكذيبًا لقولهم: إنَّ محمدًا

  1. (١) انظر: "النهاية في غريب الحديث" (١/ ١٨)، و"أعلام الحديث" للخطَّابي (٣/ ١٧٨٨).
  2. (٢) "تأويل مشكل القرآن" (١٥٥ - ١٥٦).
  3. (٣) "تفسيره" (٣/ ١٧٨).
  4. (٤) انظر: "زاد المسير" (٧/ ٨٠)، و"الجامع" (١٦/ ٢٥).
  5. (٥) أخرجه: عبد الرزاق في "تفسيره" (٢/ ١٩١)، وابن جرير في "تفسيره" (١١/ ١٤٦).
    وهو قول جمهور المفسرين.
    انظر: "معاني القرآن" للزجَّاج (٤/ ٣٩٩)، وللنحَّاس (٦/ ٣١٠)، و"المحرر الوجيز" (١٣/ ١٦٥).
276

كَذَب على الله، وافترى عليه هذا القرآن، فأجابهم بأحسن جوابٍ، وهو أنَّ الله - سبحانه - قادرٌ لا يعجزه شيءٌ، فلو كان كما تقولون لختم على قلبه، فلا يمكنه أن يأتي بشيءٍ منه، بل يصير القلب كالشيء المختوم عليه فلا يُوصَل إلى ما فيه، فيعود المعنى إلى أنَّه: لو افتراهُ عليَّ لم أُمَكِّنْهُ، ولم أُقِرَّه.

ومعلومٌ أنَّ مثل هذا الكلام لا يصدر من قلبٍ مختومٍ عليه؛ فإنَّ فيه من علوم الأوَّلين والآخرين، وعلمِ المبدأ والمعَاد، والدنيا والآخرة، والعلمِ الَّذي لا يعلمه إلا الله، والبيانِ التامِّ١، والجَزَالةِ، والفصاحةِ، والجلالةِ، والإخبارِ بالغيوب = ما لا يمكن مَنْ خُتِمَ على قلبه أن يأتي بمثله٢ ولا ببعضه، فلولا أنِّي أنزلتُهُ على قلبه، ويَسَّرْتُه بلسانه؛ لَمَا أَمْكَنَهُ أن يأتيكم بشيءٍ منه. فأين هذا٣ المعنى إلى المعنى الذي ذكره الآخرون؟! وكيف يلتئم معنى حكاية قولهم؟! وكيف يتضمَّنُ الردَّ عليهم؟!

الوجه الثاني: أنَّ مجرَّدَ الرَّبْطِ على قلبه بالصبر على أذاهم يصدر من المُحِقِّ والمُبْطِل، فلا يدلُّ ذلك على التمييز بينهما، ولا يكون فيه رَدٌّ لقولهم، فإنَّ الصبر على أذى المكذِّب لا يدلُّ بمجرده على صِدْقِ المُخْبِرِ.

الثالث: أن الرَّبْطَ على قلب العبد بالصبر لا يقال له: خُتِمَ على قلبه، ولا يعرف هذا في عُرْفِ المخاطب، ولا لغة العرب، ولا هو

  1. (١) ساقط من (ك).
  2. (٢) في (ح) و(م): به.
  3. (٣) بعده في (ز) زيادة: من.
277

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي