التبيان

وبين هذه المرتبة والتي قبلها فَرْقُ ما بين العلم والمشاهدة؛ فـ "علم١ اليقين" للسمع، و"عين اليقين" للبصر، وفي "المسند" للإمام أحمد مرفوعًا: "ليس الخَبَرُ كالمُعَايَنَة"٢.

وهذه المرتبة هي التي سألها إبراهيمُ الخليلُ ﵇ أنْ يُرِيَهُ اللهُ كيف يحيي الموتى؛ ليحصل له مع "علم اليقين": "عين اليقين"، فكان سؤاله زيادةً لنفسه، وطمأنينةً لقلبه، فَيَسْكُنُ القلبُ عند المعاينة، ويطمئنُّ لقطع المسافة التي بين الخبر والعِيَان.

وعلى هذه المسافة أطلق النبيُّ ﷺ لفظ الشكِّ حيث قال: "نحنُ أحَقُّ بالشَّكِّ من إبراهيم"٣، ومعاذَ الله أن يكون هناك شكٌّ منه، ولا من

  1. (١) ليست في (ز) و(ح) و(ط) و(م)، وصححت في هامش (ن) و(ك).
  2. (٢) أخرجه: أحمد في "المسند" (١/ ٢١٥) رقم (١٨٤٢) و(١/ ٢٧١) رقم (٢٤٤٧)، والبزار "كشف الأستار" رقم (٢٠٠)، وابن حبَّان في "صحيحه" رقم (٦٢١٣ و٦٢١٤)، والطبراني في "الأوسط" رقم (٢٥)، وفي "الكبير" (١٢/ رقم ١٢٤٥١)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٣٢١) و(٢/ ٣٨٠)؛ من حديث ابن عباس ﵄.
    وصححه: ابن حبَّان، والحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
    وقال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح". "المجمع" (١/ ١٥٣).
    وصححه الألباني في "صحيح الجامع" رقم (٥٣٧٤).
    وحسنه الحافظ في "موافقة الخبر" (٢/ ١٣٨).
    وانظر: "المقاصد الحسنة" (٤١٤)، و"كشف الخفاء" (٢/ ٢٣٦).
    وفي (ز) و(ن) و(ح) و(ك): "ليس المخبَر كالمعايِن"، وما أثبته موافق للفظ "المسند".
  3. (٣) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (٣٣٧٢ و٤٥٣٧ و٤٦٩٤)، ومسلم في "صحيحه" من كتاب الإيمان رقم (١٥١)؛ ومن كتاب الفضائل رقم (١٥١)، =
285

إبراهيم ﵉، وإنَّما هو عينٌ بعد علمٍ، وشُهُودٌ بعد خبرٍ، ومعاينةٌ بعد سماعٍ.

المرتبة الثالثة: مرتبةُ "حَقِّ اليقين"؛ وهي مباشرة الشيء بالإحساس به، كما إذا دخلوا الجنَّةَ وتمتَّعُوا بما فيها. فَهُمْ في الدنيا في مرتبة "علم اليقين"، وفي الموقف حين تُزْلَفُ وتَقْرُبُ منهم حتَّى يُعَاينُوها في مرتبة "عين اليقين"، وإذا دخلوها وباشروا نعيمَها في مرتبة "حقِّ اليقين".

ومباشرةُ المعلوم تارةً تكون بالحواسِّ الظاهرة، وتارةً تكون بالقلب، فلهذا قال: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ ٥١﴾ [الحاقة: ٥١]، فإنَّ القلبَ يباشِرُ الإيمانُ به ويخالِطُهُ١ كما يُبَاشِرُ بالحواسِّ ما يتعلَّق بها، فحينئذٍ يُخَالِط بشاشته القلوب، ويبقى لها "حقُّ اليقين"، وهذه أعلى مراتب الإيمان وهي "الصدِّيقيَّة" التي تتفاوت٢ فيها مراتب المؤمنين.

وقد ضرب بعض العلماء للمراتب الثلاثِ مثالًا؛ فقال: إذا قال لك مَنْ تَجْزِمُ بِصِدْقِه: عندي عَسَلٌ أُرِيد أن أُطْعِمَك منه، فصدَّقْتَهُ؛ كان ذلك "علم اليقين"، فإذا أحضره بين يديك صار ذلك "عين اليقين"، فإذا ذُقْتَهُ صار ذلك "حقَّ اليقين".

وعلى هذا فليست هذه الإضافة من باب إضافة الموصوف إلى

  1. = من حديث أبي هريرة ﵁.
  2. (١) "ويخالطه" ملحق بهامش (ن).
    والعبارة في (ك) هكذا: "يباشر الإيمان ويخالطه به".
  3. (٢) في (ن) و(ك) و(ح) و(م): تفاوتت.
286

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي