التبيان

صفته، بل من باب١ إضافة الجنْس إلى نوعه، فإنَّ "العلمَ" و"العينَ" و"الحقَّ" أعمُّ من كونها يقينًا، فأُضيف العامُّ إلى الخاصِّ، مثل: بعض المتاع، وكُلِّ الدراهم.

ولما كان المضاف والمضاف إليه في هذا الباب يَصْدُقَانِ على ذَاتٍ واحدةٍ - بخلاف قولك: دار عمروٍ، وثوب زيدٍ - ظَنَّ مَنْ ظَنَّ أنَّها من إضافة الموصوف إلى صفته؛ وليس كذلك، بل هي من باب إضافة الجِنْس إلى نوعه، كـ: ثوب خَزٍّ، وخاتَمِ فضَّةٍ. فالمضاف إليه قد يكون مغَايرًا للمضاف، لا يَصْدُقَانِ على ذاتٍ واحدةٍ، وقد يُجَانسه فَيَصْدُقَانِ على مسمَّىً واحدٍ، والله أعلم.

ثُمَّ ختم السورة بقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ٥٢﴾ [الحاقة: ٥٢]، وهي جديرةٌ بهذه الخاتمة، لما تضمَّنَتْهُ من الإخبار عن عظمةِ الرَّبِّ - تعالى - وجلالِهِ، وذكرِ عظمةِ مُلْكِه، وجريان حكمه بالعدل على عباده في الدنيا والآخرة، وذكر عظمته - تعالى - في إرسالِ رسوله، وإنزالِ كتابه، وأنَّه - تعالى - أعظمُ وأجَلُّ وأكبرُ عند أهل سماواته والمؤمنين من عباده من أنْ يُقِرَّ كذَّابًا مُتَقوِّلًا عليه، مفتريًا عليه، يُبدِّلُ دينَهُ، وينسخُ شرائعه، ويقتلُ عباده، ويخبِرُ عنه بما لا حقيقة له، وهو - سبحانه - مع ذلك يُؤَيِّدُه، وينصره، ويُجِيبُ دعواته، ويأخذُ أعداءه، ويرفعُ قَدْرَهُ، ويُعْلِي ذِكْرَهُ، فهو - سبحانه - العظيمُ الذي تأْبَى عظمتُهُ أنْ يفعل ذلك بمن أتى بأقبح أنواع الكذب والظلم، فسبحان ربِّنا العظيم، وتعالى عمَّا يَنْسُبُهُ إليه الجاهلون علوًّا كبيرًا.

  1. (١) ساقط من (ح) و(م).
287

فصل

ومن ذلك قوله ﷿: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ ٤٠ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ٤١﴾ [المعارج: ٤٠، ٤١]، أقسَمَ - سبحانه - بـ "رَبِّ المَشَارِقِ والمَغَارِبِ"، وهي: إمَّا مشارقُ النُّجُوم ومغارِبُها، أو مشارقُ الشمس ومغارِبُها، أَو أنَّ١ كُلَّ موضعٍ من الجهة مشرقٌ ومغربٌ٢.

فلذلك جَمَعَ في موضعٍ، وأَفْرَدَ في موضعٍ، وثَنَّى في موضعٍ آخر٣، فقال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ١٧﴾ [الرحمن: ١٧]، فقيل: هما مَشْرِقَا الصيف والشتاء٤.

وجاء في كلِّ موضع ما يناسبه، فجاء في "سورة الرحمن": ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ١٧﴾؛ لأنَّها سورةٌ ذُكِرَتْ فيها المُزْدَوِجَات، فذُكِرَ فيها الخلقُ والتعليمُ، والشمسُ والقمرُ، والنَّجْمُ والشجرُ، والسماءُ والأرضُ، والحَبُّ والثَّمَرُ، والجنُّ والإنسُ، ومادةُ أبي البشر، ومادةُ٥

  1. (١) في (ز) و(ط) و(م): وأن.
  2. (٢) انظر: "معاني الزجَّاج" (٥/ ٢٢٤)، و"روح المعاني" (١٥/ ٧٣)، و"محاسن التأويل" (٧/ ١٨١).
  3. (٣) انظر: "الأنواء" لابن قتيبة (١٤١)، و"أمالي ابن الشجري" (١/ ١٢١)، و"المحرر الوجيز" (١٥/ ١٠٧)، و"فتح الباري" لابن رجب (٣/ ٦٥).
    وبنحوٍ مما ههنا ذكره المؤلف في "بدائع الفوائد" (١/ ٢١١ - ٢١٤).
  4. (٤) لم يذكر المؤلف ﵀ غير هذا القول، وكذا المفسرون لا يذكرون غيره في تفسير الآية.
    انظر: "معاني الفرَّاء" (٣/ ١١٥)، و"مجاز القرآن" (٢/ ٢٤٣) وغيرهما.
  5. (٥) ساقط من (ح) و(م).
288

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي