السماوات وما حوته من الشمس والقمر والنُّجُوم، وربوبيته١ ما بين الجهتين، وربوبيته الليلَ والنَّهارَ وما تضمَّنَاهُ.
ثُمَّ قال: ﴿إِنَّا لَقَادِرُونَ ٤٠ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ٤١﴾[المعارج: ٤٠، ٤١]، أي: لَقَادرون على أن نذهب بهم، ونأتي بأَطْوَعَ لنا منهم، وخير منهم، كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا ١٣٣﴾[النساء: ١٣٣].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ٤١﴾، أي: لا يفوتني ذلك إذا أردتُه، ولا يمتنع منِّي. وعَبَّر عن هذا المعنى بقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ٤١﴾؛ لأنَّ المغلوبَ يسبقه الغالبُ إلى ما يريده فيفوت عليه، ولهذا عَدَّى بـ "على" دون "إلى"، كما في قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ٦٠ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾[الواقعة: ٦٠، ٦١]، فإنَّه لمَّا ضمَّنَهُ معنى: مغلوبين ومقهورين؛ عَدَّاهُ بـ "على"، بخلاف: سَبَقْتُه إليه، فإنَّه فَرْقٌ بين (سَبَقْتُه عليه) و(سَبَقْتُه إليه)؛ فالأوَّل بمعنى: غَلَبْتُه وقَهَرْتُه عليه، والثاني بمعنى: وصَلْتُ إليه قبله.
فصل
وقد وقع الإخبارُ عن قدرته - سبحانه - على تبديل غيرهم في مواضع من القرآن؛ ففي بعضها٢ قدرتُه على تبديلهم بخيرٍ منهم، وفي بعضها تبديل أمثالهم، وفي بعضها استبداله قومًا غيرهم ثُمَّ لا يكونوا
(١) في جميع النسخ: ربوبية، وكذا في المواضع الباقية في (ك) و(ح)، والصواب ما أثبته.
(٢) ساقط من (ز).
أمثالهم. فهذه ثلاثة أمور يجب معرفة ما بينها من الجَمْع والفَرْق:
فحيث وقع التبديلُ بخيرٍ منهم فهو إخبارٌ عن قدرته على أن يذهب بهم، ويأتي بأَطْوَعَ وأتقى له منهم في الدنيا. وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ٣٨﴾[محمد: ٣٨]، يعني١: بل يكونوا خيرًا منكم.
قال مجاهد: "يستبدل بهم من شاء من عباده فيجعَلَهُم خيرًا من هؤلاء، فلم يتولَّوا بحمد الله، ولم يستبدل بهم"٢.
وأمَّا ذِكْرُهُ تبديلَ أمثالهم، ففي "سورة الواقعة" و"سورة الإنسان"، فقال في "سورة الواقعة": ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ٦٠ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ ٦١﴾[الواقعة: ٦٠، ٦١]، وقال في "سُورة الإنسان": ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا ٢٨﴾[الإنسان: ٢٨]، قال كثيرٌ من المفسِّرين: المعنى: أنَّا إذا أَرَدْنا أن نخلق خلقًا٣ غيركم لم يَسْبِقْنَا سَابِقٌ، ولم يَفُتْنا ذلك. وفي قوله: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا ٢٨﴾ إذا شئنا أهلكناهم، وأَتَيْنَا بأشباههم، فجعلناهم بَدَلًا منهم.
قال المَهْدَوِيُّ٤: "قومًا موافقين لهم في الخَلْقِ، مخالفين لهم في
(١) في جميع النسخ: معنى!
(٢) أخرجه: ابن جرير في "تفسيره" (١١/ ٣٣٠)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ٥٦) إلى: عبد بن حميد. ولفظه عندهما أخصر مما ههنا.
(٣) في (ك): خلقنا.
(٤) هو أحمد بن عمار بن أبي العباس المهدوي، المقريء المفسِّر، النحوي اللغوي، له كتاب: "التفصيل الجامع لعلوم التنزيل"، و"الموضح في تعليل =