التبيان

فصل

فلمَّا أقام عليهم الحُجَّة وقطع المعذرة قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ٤٢﴾ [المعارج: ٤٢]، وهذا تهديدٌ شديدٌ يتضمَّنُ: اتْرُكْ هؤلاء الذين قامت عليهم حُجَّتِي فلم يقبلوها، ولم يخافوا بَأْسِي، ولا صَدَّقُوا رسالاتي في خوضهم بالباطل ولعبهم، فالخوضُ بالباطل١ ضِدُّ التكلُّمِ بالحقِّ، واللَّعِبُ ضِدُّ السَّعْي الذي يعود نَفْعُهُ على ساعيه. فالأوَّلُ ضدُّ العلمِ النَّافع، والثاني ضِدُّ العملِ الصالح؛ فلا تَكَلُّمَ بالحقِّ، ولا عَمَلَ بالصواب. وهذا شأنُ كلِّ من أعرض عمَّا جاء به الرسولُ، لا بدَّ له من هذين الأمرين.

ثُمَّ ذكر - سبحانه - حالهم عند خروجهم من القبور، فقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ٤٣﴾ [المعارج: ٤٣]، أي: يُسْرِعُون.

و"النُّصُب": العَلَمُ والغَايَةُ التي تُنْصَبُ فَيَؤُمُّونَها٢.

وهذا من أَلْطَفِ التشبيه، وأَبْلَغِهِ٣، وأبينه٤، وأحسنه؛ فإنَّ النَّاس يقومون من قبورهم مُهْطِعِين إلى الداعي، يَؤُمُّونَ الصوت، لا يُعرِّجُون عنه يَمْنةً ولا يَسْرَةً كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ﴾ [طه: ١٠٨] أي٥: يُقْبِلُونَ من كُلِّ أَوْبٍ إلى صوته وناحيته، لا

  1. (١) "ولعبهم، فالخوض بالباطل" ملحق بهامش (ن).
  2. (٢) في (ك): فيرمونها.
  3. (٣) ساقط من (ح) و(م).
  4. (٤) ساقط من (ز) و(ن) و(ك) و(ط).
  5. (٥) بعدها في (ك) زيادة: لا! وهي مفسدة للمعنى.
295

يُعَرِّجُون عنه.

قال الفرَّاء: "وهذا كما تقول: دعوتني دعوةً لا عِوَج لك عنها"١.

وقال الزجَّاج: "المعنى: لا عِوَجَ لهم عن دعائه، أي: لا يقدرون إلا على اتباعه وقَصْدِهِ"٢.

فإنْ قلتَ: إذا كان المعنى (لا عوج لهم عن دعوته)، فكيف قال: ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾؟

قيل: قالت طائفةٌ: "اللَّام" بمعنى "عن"٣، أي: لا عِوَجَ عنه.

وقالت طائفةٌ: المعنى: لا عِوَج لهم عن دعائه، كما قال الزجَّاجُ.

وفي القولين تكلُّفٌ ظاهرٌ.

ولمَّا كانت الدعوة تُسْمِعُ الجميعَ لا تَعْوَجُّ عنهم، وكلُّهم يَؤُمُّ صوتَ الدَّاعي ويتبعه لا يَعْوَجُّ عنه؛ كان مجيء "اللَّام" منتظِمًا للمعنيين ودالًّا عليهما، والمعنى: لا عِوَجَ لدعائه؛ لا في إسماعهم إيَّاهُ، ولا في إجابتهم له.

ثُمَّ قال تعالى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [المعارج: ٤٤]، فوَصَفَهم بذُلِّ الظاهر، وهو خشوع الأبصار، وذُلِّ الباطن، وهو ما يرهقهم من الذُلِّ٤ الذي خشعت عنه أبصارهم.

  1. (١) "معاني القرآن" (٢/ ١٩٢).
  2. (٢) "معاني القرآن" (٣/ ٣٧٧).
  3. (٣) ساقط من (ن) و(ك) و(ط).
  4. (٤) "الذل" ملحق بهامش (ك).
296

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي