التبيان

يُعَرِّجُون عنه.

قال الفرَّاء: "وهذا كما تقول: دعوتني دعوةً لا عِوَج لك عنها"١.

وقال الزجَّاج: "المعنى: لا عِوَجَ لهم عن دعائه، أي: لا يقدرون إلا على اتباعه وقَصْدِهِ"٢.

فإنْ قلتَ: إذا كان المعنى (لا عوج لهم عن دعوته)، فكيف قال: ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾؟

قيل: قالت طائفةٌ: "اللَّام" بمعنى "عن"٣، أي: لا عِوَجَ عنه.

وقالت طائفةٌ: المعنى: لا عِوَج لهم عن دعائه، كما قال الزجَّاجُ.

وفي القولين تكلُّفٌ ظاهرٌ.

ولمَّا كانت الدعوة تُسْمِعُ الجميعَ لا تَعْوَجُّ عنهم، وكلُّهم يَؤُمُّ صوتَ الدَّاعي ويتبعه لا يَعْوَجُّ عنه؛ كان مجيء "اللَّام" منتظِمًا للمعنيين ودالًّا عليهما، والمعنى: لا عِوَجَ لدعائه؛ لا في إسماعهم إيَّاهُ، ولا في إجابتهم له.

ثُمَّ قال تعالى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [المعارج: ٤٤]، فوَصَفَهم بذُلِّ الظاهر، وهو خشوع الأبصار، وذُلِّ الباطن، وهو ما يرهقهم من الذُلِّ٤ الذي خشعت عنه أبصارهم.

  1. (١) "معاني القرآن" (٢/ ١٩٢).
  2. (٢) "معاني القرآن" (٣/ ٣٧٧).
  3. (٣) ساقط من (ن) و(ك) و(ط).
  4. (٤) "الذل" ملحق بهامش (ك).
296

وقريبٌ من هذا قوله ﷿: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ ٢٤ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ٢٥﴾ [القيامة: ٢٤، ٢٥]، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ [يونس: ٢٧].

وضِدُّ هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى ١١٨﴾ [طه: ١١٨]، فنفى عنه الجوعَ الذي هو ذُلُّ الباطن، والعُرِيَّ الذي هو ذُلُّ الظاهر.

وضدُّه - أيضًا - قوله تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ١١﴾ [الإنسان: ١١]، فالنَّضْرَةُ عِزُّ١ الظاهر وجمالُه، والسرور عِزُّ الباطن وجماله.

ومثله - أيضًا - قوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ٢١﴾ [الإنسان: ٢١]، فجمع بين زينة الظاهر والباطن.

ومثله قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، فجمع بين زينة الظاهر والباطن.

ومثله - أيضًا - قوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ٦ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ ٧﴾ [الصافات: ٦، ٧]، فزيَّنَ ظاهِرَها بالنُّجُوم، وباطِنَها بالحِفْظِ من كل شيطانٍ رجيمٍ.

ومثله - أيضًا - قوله تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [غافر: ٦٤].

  1. (١) تصحفت في (ك) في الموضعين إلى: عن.
297

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي