وأمَّا الحرف الذي تُكَوَّنُ به المخلوقاتُ فشأنُهُ أعلى وأجلُّ، وإذا كان هذا١ شأنُ الحروف فحقيقٌ أن تُفْتَتَحَ بها السُّوَرُ كما افتُتِحَت بالأقسام؛ لما فيها من آياتِ الربوبية، وأدلَّةِ الوحدانية. فهي دالَّةٌ على كمال قدرته سبحانه، وكمال علمه، وكمال حكمته، وكمال رحمته، وعنايته بخلقه، ولُطْفه، وإحسانه.
وإذا أَعْطَيتَ الاستدلالَ بها حقَّهُ استَدْلَلْتَ بها على المبدأ، والمَعَاد، والخَلْق، والأمر، والتوحيد، والرِّسالة؛ فهي من أظهر أدلَّة٢ شهادة "أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا عبده ورسوله"، وأنَّ القرآنَ كلامُ الله، تكلَّمَ به حقًّا، وأنزله على رسوله وحيًا، وبلَّغَهُ كما أُوحيَ إليه صدقًا. ولا تُهْمِل الفِكْرَةَ في كلِّ سورةٍ افتُتِحَتْ بهذه الحروف، واشتمالها على آيات هذه المطالب وتقريرها. وبالله التوفيق.
فصل
ثُمَّ أقسَمَ - سبحانه - بـ "القلم وما يسطرون"، فأقسم بالكتاب وآلته وهو "القلم" الذي هو إحدى آياته، وأوَّلُ مخلوقاته الذي جَرَى به قَدَرُهُ وشَرْعُه، وكُتِبَ به الوحيُ، وقُيِّدَ به الدِّينُ، وأُثبِتَتْ به الشريعة، وحُفِظَتْ به العلوم، وقامت به مصالح العباد في المَعَاش والمَعَاد؛ فَوُطِّدَتْ به الممالك، وأُمِّنَتْ به السُّبُلُ والمسالك، وأقام في النَّاس أبلغَ خطيبٍ وأفصحَهُ، وأنفعَهُ لهم وأنصحَهُ، وواعظًا تشفي مواعظُه القلوب من السَّقَم، وطبيبًا يُبْرِيءُ - بإذْنِ بارئه - من أنواع الألم، يكسر العساكر
(١) ساقط من (ز) و(ن) و(ك).
(٢) ساقط من (ز).
العظيمة على أنَّه الضعيف الوحيد، ويَخَافُ سَطْوَتَهُ وبأسَهُ ذو البأس الشديد، وبالأقلام تُدَبَّرُ الأقاليمُ، وتُسَاسُ الممالك.
و"القَلَمُ" لسانُ الضمير، يناجيه بما استتر عن الأسماع، فيَنْسِجُ حُلَلَ المعاني في الطرفين فتعود أحسنَ من١ الوَشْي المرقوم، ويُودِعُها٢ حِكَمَهُ فتصير موارد الفهوم، والأقلام نظامًا للأفهام.
وكما أنَّ "اللِّسَان" بريد "القلب" فـ "القَلَمُ" بريد "اللِّسَان"، وتولُّدُ الحروف المسموعة عن "اللِّسان" كتولُّدِ الحروف المكتوبة عن "القَلَمِ"، و"القَلَمُ" بريدُ "القلب"، ورسولُه، وترجمانُه، ولسانُه الصامت.
فصل
والأقلامُ متفاوِتةٌ في الرُّتَب، فأعلاها وأجلُّها قَدْرًا: قَلَمُ القَدَرِ السابِقِ؛ الذي كتب الله به مقادير الخلائق، كما في "سنن أبي داود" عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ أوَّلَ ما خلق اللهُ القَلَمَ، فقال له: اكتُبْ، قال: يا رَبِّ؛ وما أكتُبُ؟ قال: اكتُبْ مقادير كلِّ شيءٍ حتَّى تقومَ الساعةُ"٣.
(١) ساقط من (ك).
(٢) في (ز) و(ن) و(ك) و(ط): ويدعها.
(٣) أخرجه: ابن وهب في "القدر" رقم (٢٦ و٢٧)، وأحمد في "المسند" (٥/ ٣١٧)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (١٤/ ١١٤)، والطيالسي في "مسنده" رقم (٥٧٨)، وأبو داود في "سننه" رقم (٤٧٠٠)، والترمذي في "سننه" رقم (٢١٥٥ و٣٣١٩)، وابن أبي عاصم في "السنَّة" رقم (١٠٦ و١٠٧ و١٠٨ و١٠٩)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (٦/ ٩٢)، وغيرهم من حديث عبادة بن الصامت ﵁. =