العظيمة على أنَّه الضعيف الوحيد، ويَخَافُ سَطْوَتَهُ وبأسَهُ ذو البأس الشديد، وبالأقلام تُدَبَّرُ الأقاليمُ، وتُسَاسُ الممالك.
و"القَلَمُ" لسانُ الضمير، يناجيه بما استتر عن الأسماع، فيَنْسِجُ حُلَلَ المعاني في الطرفين فتعود أحسنَ من١ الوَشْي المرقوم، ويُودِعُها٢ حِكَمَهُ فتصير موارد الفهوم، والأقلام نظامًا للأفهام.
وكما أنَّ "اللِّسَان" بريد "القلب" فـ "القَلَمُ" بريد "اللِّسَان"، وتولُّدُ الحروف المسموعة عن "اللِّسان" كتولُّدِ الحروف المكتوبة عن "القَلَمِ"، و"القَلَمُ" بريدُ "القلب"، ورسولُه، وترجمانُه، ولسانُه الصامت.
فصل
والأقلامُ متفاوِتةٌ في الرُّتَب، فأعلاها وأجلُّها قَدْرًا: قَلَمُ القَدَرِ السابِقِ؛ الذي كتب الله به مقادير الخلائق، كما في "سنن أبي داود" عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ أوَّلَ ما خلق اللهُ القَلَمَ، فقال له: اكتُبْ، قال: يا رَبِّ؛ وما أكتُبُ؟ قال: اكتُبْ مقادير كلِّ شيءٍ حتَّى تقومَ الساعةُ"٣.
(١) ساقط من (ك).
(٢) في (ز) و(ن) و(ك) و(ط): ويدعها.
(٣) أخرجه: ابن وهب في "القدر" رقم (٢٦ و٢٧)، وأحمد في "المسند" (٥/ ٣١٧)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (١٤/ ١١٤)، والطيالسي في "مسنده" رقم (٥٧٨)، وأبو داود في "سننه" رقم (٤٧٠٠)، والترمذي في "سننه" رقم (٢١٥٥ و٣٣١٩)، وابن أبي عاصم في "السنَّة" رقم (١٠٦ و١٠٧ و١٠٨ و١٠٩)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (٦/ ٩٢)، وغيرهم من حديث عبادة بن الصامت ﵁. =
واختلف العلماء: هل "القَلَمُ" أوَّلُ المخلوقات أو "العَرْشُ"؟ على قولين، ذكرهما الحافظ أبو العلاء الهَمَذَاني١، أصحُّهُما أنَّ "العرشَ" قبل "القلم"٢؛ لما ثبت في "الصحيح"٣ من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: "قدَّرَ اللهُ مقادِيرَ الخَلَائِقِ قبلَ أن يخلُقَ السماواتِ والأرضَ بخمسينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وعَرْشُهُ على الماءِ". فهذا صريحٌ في أنَّ التقدير وقع بعد٤ خَلْق "العَرْشِ"، والتقدير وقع عند أوَّلِ خَلْقِ القَلَمِ لحديث عبادة هذا.
ولا يخلو قوله: "إنَّ أوَّلَ ما خلَقَ اللهُ القَلَمَ". . . إلى آخره؛ إمَّا أن يكون جملةً أو جملتين:
= وللحديث شواهد، ولطرقه متابعات يتقوَّى بها، وقد حسَّنه: ابن المديني كما في "النكت الظراف" (٤/ ٢٦١).
(١) في (ز) و(ن) و(ك) و(ح) و(م): الهَمْداني، والصواب ما أثبته كما في (ط). والهَمَذاني هو: أبو العَلَاء الحسن بن أحمد بن الحسن العطَّار، الإمام الحافظ المقريء، شيخ الإسلام في هَمَذان بلا مدافعة، كان إليه المنتهى في القراءات والحديث والأدب، صنَّف: "الانتصار في معرفة قُرَّاء المدن والأمصار"، و"زاد المسافر" وغير ذلك، توفي بهَمَذَان سنة (٥٦٩ هـ) ﵀. انظر: "التقييد" (١/ ٢٩٠)، و"غاية النهاية" (١/ ٢٠٤)، و"السير" (٢١/ ٤٠).
(٢) وهو قول جمهور السلف كما قاله غير واحدٍ، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية "مجموع الفتاوى" (١٨/ ٢١٣). واختاره: البيهقي في "الأسماء والصفات" (٢/ ٢٣٨)، وشيخ الإسلام، وابن كثير في "البداية والنهاية" (١/ ١٣)، والحافظ في "الفتح" (٦/ ٣٣٤)، وغيرهم.
(٣) أخرجه مسلم في "صحيحه" رقم (٢٦٥٣)، بلفظ: "كتب الله. . . إلخ".