فتصرُّفُ هذا "القَلَم" في المنام هو مَحَلُّ ولايته، وكُرسيُّ مملكته وسلطانه.
فصل
القلم العاشر: قَلَمُ تواريخِ العالَم ووقائعه. وهو "القَلَمُ" الذي تُضْبَطُ به الحوادِثُ، وتُنقَلُ من أمَّةٍ إلى أُمَّةٍ، ومن قَرْنٍ إلى قَرْنٍ، فَيَحْصُرُ ما مَضَى من العالَم وحوادثه في الخيال، ويَنْقُشُهُ في النَّفْسِ، حتَّى كأنَّ السامِعَ يرى ذلك ويَشْهَدُه، فهو قَلَمُ المَعَادِ الرُّوحاني.
وهذا "القَلَم" قَلَمُ العجائب؛ فإنَّه يُعيد لك العالَمَ في صورة الخيال، فتراه بقلبك، وتُشَاهِدُهُ ببصيرتك.
فصل
القلم الحادي عشر: قَلَمُ اللُّغَة وتفاصيلها من شرح معاني ألفاظِها المُفْرَدَة، ونَحْوِها، وتَصْرِيفِها، وأسرارِ تراكيبِها، وما يتبع ذلك من أحوالها ووجوهِها، وأنواعِ دلالاتها على المعاني، وكيفية الدلالة.
وهو قَلَمُ التعبير عن المعاني باختيار١ أحسن الألفاظ، وأعذبها، وأسهلها، وأوضحها.
وهذا "القَلَم" واسعُ التصرُّفِ جدًّا بحسب سَعَةِ الألفاظ وكثرةِ مجاريها وتنوُّعِها.
(١) في جميع النسخ: بإخبار، وهو تحريف.
فصل
القلم الثاني عشر: القلَمُ الجامع، وهو قَلَمُ الرَّدِّ على المُبْطِلِين، ورَفْعِ سُنَّةِ المُحِقِّين، وكشْفِ أباطيل المُبْطِلِين على اختلاف أنواعها وأجناسها، وبيانِ تناقُضِهم، وتهافُتِهم، وخروجِهم عن الحقِّ، ودخولِهم في الباطل.
وهذا "القَلَمُ" في الأقلام نظير الملوك في الأنام١، وأصحابُه أهلُ الحُجَّةِ النَّاصِرُون لما جاءت به الرُّسُل، المحاربون لأعدائهم، وهم الداعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، المجادلون لمن خرج عن سبيله بأنواع الجدال. وأصحاب هذا "القلم" حربٌ لكلِّ مُبْطِل، عَدُوٌّ لكلِّ مخالفٍ للرُّسُل. فَهُمْ في شأنٍ، وغيرُهم من أصحاب الأقلام في شأنٍ.
فهذه الأقلام التي بها انتظامُ مصالح العالم.
ويكفي في جلالة "القَلَم" أنَّه لم تُكتَبْ كُتُبُ اللهِ إلا به، وأنَّ الله - سبحانه - أقسَمَ به في كتابه، وتَعَرَّفَ إلى غيره بأنْ علَّمَ بالقَلَم، وإنَّما وصل إلينا ما بُعِثَ به نبيُّنا ﷺ بواسطة "القَلَم". ولقد أبدع أبو تمَّام٢ إذ يقول في وصفه:
لَكَ القَلَمُ المَاضِي٣ الذي بِشَبَاتِهِتُصَابُ من الأَمْرِ الكُلَى والمَفَاصِلُ
(١) تصحفت في (ن) و(ك) إلى: الأيام.
(٢) "ديوانه" (٣/ ١٢٢) بشرح الخطيب التبريزي.
(٣) كذا في جميع النسخ، وفي الديوان: الأعلى. والشَّبَاةُ: الحدُّ. والكُلَى: جمع كُلْيَة. والمفاصل: جمع مَفْصِل.