فقالت فرقةٌ: "الباء" في ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ بَاءُ القَسَم، فهو قَسَمٌ آخَرُ اعتَرضَ بين المحكُومِ به والمحكوم عليه، كما تقول: ما أنتَ باللهِ بكاذِبٍ.
وهذا التقدير ضعيفٌ جدًّا؛ لأنَّه قد تقدَّمَ القَسَمُ الأوَّلُ، فكيف يقع القَسَمُ الثاني في جوابه؟! ولا يحسُنُ أن تقول: واللهِ ما أنتَ باللهِ بقائمٍ، وليس هذا من فصيح الكلام، ولا عُهِدَ به في كلامهم.
وقالت فرقةٌ: العامل في ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ أداةُ معنى النفْي، أو معنى: انْتَفَى٣ عنكَ الجنونُ بنعمة ربِّك.
ورَدَّ أبو عمرو بن الحاجب٤ وغيرُه هذا القولَ بأنَّ الحروفَ لا تَعْمَلُ معانيها، وإنَّما تَعْمَلُ ألفاظُها٥.
(٤) هو عثمان بن عمر بن أبي بكر الدَّويني، أبو عمرو بن الحاجب، العلامة الفقيه الأصولي النحوي، شيخ المالكية في زمنه، برع في القراءات واللغة، ومصنفاته سارت بها الركبان، توفي بالإسكندرية سنة (٦٤٦ هـ) ﵀. انظر: "وفيات الأعيان" (٣/ ٢٤٨)، و"السير" (٢٣/ ٢٦٤).
(٥) قال ابن الحاجب في "أماليه" (١/ ٢٤١): "(الباء) في "بنعمة ربك" متعلِّقةٌ بالنفي، لا بقوله "بمجنون"؛ إذ لو عُلِّق به =
وقال الزمخشريُّ: "يتعلَّق بـ "مجنون"١ مَنْفِيًّا، كما يتعلَّق بعاقِلٍ مُثْبَتًا في قولك: أنتَ بنعمةِ اللهِ عاقِلٌ، مُسْتَوِيًا٢ في ذلك الإثبات والنَّفْي استواءَهما في قولك: ضَرَبَ زيدٌ عَمْرًا، وما ضَرَبَ زيدٌ عَمْرًا٣، تُعْمِلُ الفعلَ مُثبَتًا ومَنْفِيًّا إعمالًا واحدًا، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ على الحال، أي: ما أنت بمجنون مُنْعَمًا عليك بذلك. ولم تَمْنَعِ "الباءُ" أنْ يَعْمَلَ (مجنون) فيما قبله؛ لأنَّها زائدةٌ لتأكيد النَّفْي"٤.
واعتُرِض عليه٥ بأنَّ النَّفْيَ٦ إذا تسلَّط على محكومٍ به، وله معمولٌ، فإنَّه يجوز فيه وجهان:
= لكان المراد نفيَ جنونٍ من نعمة الله، وذلك غير مستقيم من وجهين: أحدهما: أنه لا يُوصف جنونٌ من نعمة الله. والآخر: أنه لم يُرَدْ نفيُ جنونٍ مخصوص، وإنما أُريدَ نفيه عمومًا. فتحقَّقَ أنَّ المعنى: أنه انتفى عنك الجنون مطلقًا بنعمة الله، وعلى هذا يُحْكَم في التعلُّق، فإن صحَّ تعلُّقه بالفعل، وإلا عُلِّق بالحرف". قال ابن هشام بعد أن نقل ملخصه: "وهو كلامٌ بديعٌ، إلا أنَّ جمهور النحويين لا يوافقون على صحة التعلق بالحرف، فينبغي على قولهم أن يُقدَّر أنَّ التعلق بفعلٍ دلَّ عليه النافي، أي: انتفى ذلك ينعمة ربِّك". "مغني اللبيب" (٥/ ٢٩٨).
(١) في جميع النسخ من أول الآية: "بنعمة ربك بمجنون"، والتصحيح من "الكشاف"، وبه يتضح الكلام.
(٢) في (ز): يستوي، وفي (ن) و(ك) و(ح) و(م): يستويا.
(٣) المثال الثاني ساقط من (ز).
(٤) "الكشاف" (٤/ ٥٨٩ - ٥٩٠).
(٥) المعترِض هو أبو حيَّان في "البحر المحيط" (٨/ ٣٠٢).
(٦) ساقط من (ن) و(ك) و(ط)، وألحق بهامش (ز)، وفي (م) وهامش (ح): العامل.