التبيان

وقال الزمخشريُّ: "يتعلَّق بـ "مجنون"١ مَنْفِيًّا، كما يتعلَّق بعاقِلٍ مُثْبَتًا في قولك: أنتَ بنعمةِ اللهِ عاقِلٌ، مُسْتَوِيًا٢ في ذلك الإثبات والنَّفْي استواءَهما في قولك: ضَرَبَ زيدٌ عَمْرًا، وما ضَرَبَ زيدٌ عَمْرًا٣، تُعْمِلُ الفعلَ مُثبَتًا ومَنْفِيًّا إعمالًا واحدًا، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ على الحال، أي: ما أنت بمجنون مُنْعَمًا عليك بذلك. ولم تَمْنَعِ "الباءُ" أنْ يَعْمَلَ (مجنون) فيما قبله؛ لأنَّها زائدةٌ لتأكيد النَّفْي"٤.

واعتُرِض عليه٥ بأنَّ النَّفْيَ٦ إذا تسلَّط على محكومٍ به، وله معمولٌ، فإنَّه يجوز فيه وجهان:

  1. = لكان المراد نفيَ جنونٍ من نعمة الله، وذلك غير مستقيم من وجهين:
    أحدهما: أنه لا يُوصف جنونٌ من نعمة الله.
    والآخر: أنه لم يُرَدْ نفيُ جنونٍ مخصوص، وإنما أُريدَ نفيه عمومًا.
    فتحقَّقَ أنَّ المعنى: أنه انتفى عنك الجنون مطلقًا بنعمة الله، وعلى هذا يُحْكَم في التعلُّق، فإن صحَّ تعلُّقه بالفعل، وإلا عُلِّق بالحرف".
    قال ابن هشام بعد أن نقل ملخصه: "وهو كلامٌ بديعٌ، إلا أنَّ جمهور النحويين لا يوافقون على صحة التعلق بالحرف، فينبغي على قولهم أن يُقدَّر أنَّ التعلق بفعلٍ دلَّ عليه النافي، أي: انتفى ذلك ينعمة ربِّك".
    "مغني اللبيب" (٥/ ٢٩٨).
  2. (١) في جميع النسخ من أول الآية: "بنعمة ربك بمجنون"، والتصحيح من "الكشاف"، وبه يتضح الكلام.
  3. (٢) في (ز): يستوي، وفي (ن) و(ك) و(ح) و(م): يستويا.
  4. (٣) المثال الثاني ساقط من (ز).
  5. (٤) "الكشاف" (٤/ ٥٨٩ - ٥٩٠).
  6. (٥) المعترِض هو أبو حيَّان في "البحر المحيط" (٨/ ٣٠٢).
  7. (٦) ساقط من (ن) و(ك) و(ط)، وألحق بهامش (ز)، وفي (م) وهامش (ح): العامل.
315

أحدهما: نَفْيُ ذلك المعمول فقط، نحو قولك: ما زيدٌ بذاهبٍ مُسْرِعًا، فإنَّه ينتفي الإسراعُ دون القيام، ولا يمتنع أن يثبت له ذهابٌ في غير إسراعٍ.

والثاني: نَفْيُ المحكوم به، فينتفي معموله بانتفائه، فينتفي "الذهاب" في هذا الحال، فينتفي الإسراع بانتفائه.

فإذا جعل ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ معمولًا لـ "مجنون" لَزِمَ أَحَدُ الأمرين، وكلاهما مُنْتَفٍ جزمًا.

وهذا الاعتراض - هُنَا - فاسِدٌ؛ لأنَّ المعنى إذا جُعِل١ "ما أنت بمجنونٍ مُنْعَمًا عليك" لزِمَ من صِدْق هذا الخبر نَفْيُهُما٢ قطعًا، ولا يصحُّ نفي المعمول وثبوت العامل في هذا الكلام، ولا يَفْهَمُه منه من له آلةُ الفهم، وإنَّما يَفْهَمُ الآدميُّ من هذا الكلام أنَّ الجنون انتفى عنك بنعمة الله عليك، وانتفى عنَّا ما فهمه هذا المعترِضُ بنعمة الله علينا.

ثُمَّ أخبر - سبحانه - عن كمال حالتي نبيِّه ﷺ في دنياه وأُخْرَاه فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ٣﴾ [القلم: ٣]، أي: غير مقطوعٍ، بل هو دائمٌ مستمرٌّ.

ونَكَّرَ الأجْرَ تنكير تعظيم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ [النور: ٤٤]، و﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [البقرة: ٢٤٨]، و﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ [الزمر: ٢١]، و﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ٣١﴾ [النبأ: ٣١]، و﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ٢٥﴾ [ص: ٢٥]، وهو كثيرٌ، وإنَّما كان التنكير

  1. (١) في (ن) و(ك) و(ح) و(ط) و(م): حصل.
  2. (٢) في (ن) و(ك): تفهمًا، وفي (ط): تفهيمًا.
316

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي