التبيان
فكِدْتُ - ولم أُخْلَقْ مِن الطَّيْرِ - إنْ بَدَاسَنَا بَارِقٍ نحْوَ الحِجَازِ أَطِيرُ

فقوله: "ولم أُخْلَق منِ الطير" لرفع استفهام يتوجَّهُ عليه على سبيل الإنكار لو قال: فكدتُ أَطِيرُ، فيقال له: وهل خُلِقْتَ من الطير؟ فاحترز بهذا الاعتراض.

وعندي أنَّ هذا الاعتراضَ يُفِيدُ غيرَ هذا، وهو قوَّةُ شَوقِهِ ونُزُوعِهِ إلى أرض الحجاز، فأَخْبَر أنَّه كاد يطير على أنَّه أَبْعَدُ شيءٍ من الطيران، فإنَّه لم يُخْلَق من الطير، ولا عَجَبَ طيرانُ من خُلِق من الطير، وإنَّما العَجَبُ طيرانُ من لم يُخْلَق من الطير، لشدَّةِ نُزُوعه وشوقه إلى جهة محبوبه؛ فتَأمَّلْه.

ومن مواقع الاعتراض: الاعتراضُ بالدعاء، كقول الشاعر١:

قد كنتُ أَبْكِي وأنتِ رَاضِيَةٌحِذَارَ هذا الصُّدُودِ والغَضَبِ
إنْ تَمَّ ذَا الهَجْرُ يا ظَلُومُ - ولاتَمَّ - فَمَا لِي في العَيْشِ من أَرَبِ

وكقول الآخر٢:

إنَّ سُلَيْمَى - واللهُ يَكْلَؤُها -ضَنَّتْ بشيءٍ ما كَانَ يَرْزَؤُها

وكقول الآخر٣:

  1. (١) هو العباس بن الأحنف "ديوانه" (٤٩)، ولفظ البيت الثاني فيه:
    إن دَامَ ذا الهَجْرُ يا ظلوم - ولا … دامَ - فما لي. . . . . . . .
  2. (٢) هو إبراهيم بن هَرْمَة القرشي "ديوانه" (٥٥).
  3. (٣) هو عوف بن مُحَلِّم الخُزَاعي. انظر: "طبقات الشعراء" لابن المعتز (١٨٨)، و"معجم الأدباء" (٤/ ٥١٧).
326
إنَّ الثَّمانَينَ - وَبُلِّغْتَها -قد أَحْوَجَتْ سَمْعِي إلى تَرْجُمَانْ

ومنه الاعتراضُ بالقَسَم، كقوله١:

ذَاكَ الذي - وأبيكَ - يَعْرِفُ مالكًاوالحقُّ يَدْفَعُ تُرَّهَاتِ البَاطِلِ

ومن الاعتراض: الاستعطافُ؛ كقوله٢:

فَمَنْ لِيَ بِالعَينِ الَّتي كُنْتَ مرَّةًإليَّ بها - نَفْسِي فِدَاؤُكَ - تَنْظُرُ

فاعترضَ بقوله: "نفسي فِدَاؤُك" استعطافًا.

فتأملْ حُسْنَ الاعتراض وجزالته في قول الرَّبِّ ﵎: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١]، فقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ اعتراضٌ بين الشرط وجوابِه أفاد أمورًا:

١ - منها الجواب عن سؤالِ سائلٍ: ما حكمة هذا التبديل، وما فائدته؟

٢ - ومنها أنَّ الذي بُدِّلَ وأُتِي بغيره مُنَزَّلٌ مُحْكَمٌ نزولُه قبل الإخبار بقولهم.

  1. (١) البيت لجرير "ديوانه" (٤٣٠).
  2. (٢) في (ح) و(م): ومن اعتراض الاستعطاف قوله.
    والبيتُ - بهذا اللفظ - نَسَبه المظفَّر العلوي في "نَضْرة الإغريض في نُصْرة القريض" (١٨١) إلى: اليزيدي.
    لكن البيت في "ديوان أبي العتاهية" (٥٣٤) بلفظ:
    فمن ليَ بالعينِ التي كنتَ مرةً … إليَّ بها في سالِفِ الدَّهْرِ تنظُرُ
327

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي