التبيان
إنَّ الثَّمانَينَ - وَبُلِّغْتَها -قد أَحْوَجَتْ سَمْعِي إلى تَرْجُمَانْ

ومنه الاعتراضُ بالقَسَم، كقوله١:

ذَاكَ الذي - وأبيكَ - يَعْرِفُ مالكًاوالحقُّ يَدْفَعُ تُرَّهَاتِ البَاطِلِ

ومن الاعتراض: الاستعطافُ؛ كقوله٢:

فَمَنْ لِيَ بِالعَينِ الَّتي كُنْتَ مرَّةًإليَّ بها - نَفْسِي فِدَاؤُكَ - تَنْظُرُ

فاعترضَ بقوله: "نفسي فِدَاؤُك" استعطافًا.

فتأملْ حُسْنَ الاعتراض وجزالته في قول الرَّبِّ ﵎: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١]، فقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ اعتراضٌ بين الشرط وجوابِه أفاد أمورًا:

١ - منها الجواب عن سؤالِ سائلٍ: ما حكمة هذا التبديل، وما فائدته؟

٢ - ومنها أنَّ الذي بُدِّلَ وأُتِي بغيره مُنَزَّلٌ مُحْكَمٌ نزولُه قبل الإخبار بقولهم.

  1. (١) البيت لجرير "ديوانه" (٤٣٠).
  2. (٢) في (ح) و(م): ومن اعتراض الاستعطاف قوله.
    والبيتُ - بهذا اللفظ - نَسَبه المظفَّر العلوي في "نَضْرة الإغريض في نُصْرة القريض" (١٨١) إلى: اليزيدي.
    لكن البيت في "ديوان أبي العتاهية" (٥٣٤) بلفظ:
    فمن ليَ بالعينِ التي كنتَ مرةً … إليَّ بها في سالِفِ الدَّهْرِ تنظُرُ
327

٣ - ومنها أنَّ مصدر الأمرين عن علمه ﵎، وأنَّ كلًّا منهما مُنَزَّلٌ فيجب التسليم والإيمان بالأوَّلِ والثاني.

ومن الاعتراض الذي هو في أعلى درجات الحُسْن قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، فاعترض بذكر شأن حَمْلِهِ وَوَضْعِهِ بين الوصية والمُوصَى به، توكيدًا لأمر الوصية بالوالدة التي هذا شأنها، وتذكيرًا١ لولدها بحقِّها، وما قاسَتْهُ من حَمْلِهِ وَوَضْعِهِ ممَّا لم يتكلَّفْهُ الأَبُ.

ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ٧٢ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة: ٧٢، ٧٣]، فاعترض بقوله: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ٧٢﴾٢ بين الجُمَل المعطوف بعضها على بعض، إعلامًا بأنَّ تَدَارُؤَهم وتَدَافُعَهم في شأن القتيل ليس نافعًا لهم في كتمانه، فإنَّ الله يُظْهِرُهُ ولا بُدَّ.

ولا تَسْتَطِلْ هذا الفَصْلَ وأمثالَهُ؛ فإنَّه يعطيك ميزانًا، وينهج لك طريقًا يعينك على فَهْمِ الكتاب، والله المستعان.

فصل

ثُمَّ قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ٧٧﴾ [الواقعة: ٧٧]، فوَصَفَه بما يقتضي حُسْنَهُ، وكَثرةَ خَيرِهِ ومنافِعِهِ، وجَلَالَتَهُ؛ فإنَّ "الكريم" هو: البَهِيُّ، الكثيرُ الخيرِ، العظيمُ النفعِ، وهو من كلِّ شيءٍ أحسنُهُ

  1. (١) من (ط)، وفي باقي النسخ: تذكرًا.
  2. (٢) من قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا. . .﴾ إلى هنا؛ ملحق بهامش (ن).
328

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي