التبيان

الذي طهَّرَهُ غيرُهُ، فالمتوضِّئُ متطهِّرٌ، والملائكةُ مطهَّرون.

الوجه التاسع: أنَّه لو أُريد به المصحف الذي بأيدينا لم يكن في الإخبار عن كونه مَكْنُونًا كبيرُ١ فائدةٍ، إذ مجرَّدُ كَونِ الكلام مكنونًا في كتابٍ لا يستلزم ثبوته، فكيف يُمدَح القرآن بكونه مكنونًا في كتابٍ؟

وهذا أمرٌ مشتركٌ، والآيةُ إنَّما سِيقت لبيان مدحه وتشريفه٢، وما اختصَّ به من الخصائص التي تدلُّ على أنَّه منزَّلٌ من عند الله، وأنَّه محفوظٌ مَصُونٌ لا يصل إليه شيطانٌ بوجهٍ ما، ولا يَمسُّ مَحَلَّهُ إلا المطهَّرون، وهم السَّفَرَةُ الكِرَامُ البَرَرَةُ.

الوجه العاشر: ما رواه سعيد بن منصور في "سننه": حدثنا أبو الأَحْوَص، حدثنا عاصم الأحول، عن أنس بن مالك في قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ٧٩﴾ قال: "المطهَّرون: الملائكة"٣.

وهذا - عند طائفةٍ من أهل الحديث - في حكم المرفوع. قال الحاكم٤: "تفسير الصحابة - عندنا - في حكم

  1. = ولعل هذه الشواهد - وإن كانت ضعيفة - حملت بعض أهل العلم على القول بثبوت هذه الزيادة، منهم: ابن القيم نفسه في "زاد المعاد" (١/ ١٩٥).
    وصححه الألباني في "صحيح الجامع" رقم (٦١٦٧)، و"الإرواء" رقم (٩٦).
  2. (١) في (ك): كثير.
  3. (٢) من قوله: "في كتاب؟ وهذا. . ." إلى هنا؛ ملحق بهامش (ك).
  4. (٣) إسناده صحيح. وأخرجه من طريقه: حرب الكرماني في "مسائله" (٣٤٦)، والبيهقي في "معرفة السنن والآثار" رقم (٧٧٢).
    وزاد السيوطي نسبته إلى: ابن المنذر. "الدر المنثور" (٦/ ٢٣٢).
  5. (٤) هو محمد بن عبد الله بن حَمْدَويه، أبو عبد الله النيسابوري، المعروف بـ "ابن البَيِّع"، الإمام الحاكم الثبت، سمع من نحو ألْفي شيخ، منهم ألف من أهل =
336

المرفوع"١، ومن لم يجعله مرفوعًا فلا ريب أنَّه عنده أصحُّ من تفسير مَنْ بَعد الصحابة، والصحابةُ أعلم الأُمَّة بتفسير القرآن، ويجب الرجوع إلى تفسيرهم.

وقال حرب٢ في "مسائله": "سمعت إسحاق في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ٧٩﴾ قال: النُّسْخَةُ التي في السماء لا يمسُّها إلا

  1. = نيسابور! صنف: "المستدرك"، و"تاريخ نيسابور"، وغير ذلك، توفي بنيسابور سنة (٤٠٥ هـ) ﵀.
    انظر: "الإرشاد" للخليلي (٣/ ٨٥١)، و"السير" (١٧/ ١٦٢).
  2. (١) انظر: "معرفة علوم الحديث" (١٤٩)، و"المستدرك" (٢/ ٢٥٨ و٢٦٣ و٣٤٥).
    وقال الحاكم: "ليعلم طالب هذا العلم أنَّ تفسير الصحابي - الذي شهد الوحي والتنزيل - عند الشيخين حديث مسنَدٌ".
    قال ابن القيم شارحًا كلام الحاكم: "ومراده أنَّه في حكمه في الاستدلال به والاحتجاج، لا أنَّه إذا قال الصحابيُّ في الآية قولًا فَلَنَا أن نقول: هذا القول قول رسول الله ﷺ، أو قال رسول الله ﷺ.
    وله وجهٌ آخر؛ وهو أن يكون في حكم المرفوع بمعنى أنَّ رسول الله ﷺ بيَّنَ لهم معاني القرآن، وفسَّرهُ لهم، كما وصفه الله - سبحانه - بقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فبيَّنَ لهم القرآن بيانًا شافيًا كافيًا، وكان إذا أشكل على أحدٍ منهم معنىً سأله عنه، فأوضحه له … وهذا كثير جدًّا، فإذا نقلوا لنا تفسير القرآن فتارةً ينقلونه عنه بلفظه، وتارةً بمعناه، فيكون ما فسَّروه بألفاظهم من باب الرواية بالمعنى، كما يروون عنه السُّنَّة تارةً بلفظها، وتارةً بمعناها، وهذا أحسن الوجهين، والله أعلم". "إعلام الموقعين" (٦/ ٣١ - ٣٣).
  3. (٢) هو حَرْبُ بن إسماعيل بن خلف الحنظلي، أبو محمد الكرماني، الإمام الحافظ الفقيه العلامة، من أصحاب الإمام أحمد، ومسائله من أنفس كتب الحنابلة، عُمِّر حتَّى قارب التسعين، توفي سنة (٢٨٠ هـ) ﵀.
    انظر: "السير" (١٣/ ٢٤٥)، و"طبقات الحنابلة" (١/ ١٤٥).
337

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي