وسمعتُ شيخ الإسلام يقرِّرُ الاستدلالَ بالآية على أنَّ المصحف لا يمسُّه المُحْدِثُ بوجهٍ آخر٢، فقال: هذا من باب التنبيه والإشارة، وإذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسُّها إلا المطهَّرون، فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسَّها إلا طاهِرٌ، والحديث مشتَقٌّ من هذه الآية، وهو قوله: "لا تَمسَّ القرآنَ إلا وأنتَ طاهِرٌ" رواه أهل "السنن " من حديث: الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جَدِّه: أنَّ في الكتاب الذي كتبه٣ النبيُّ ﷺ إلى أهل اليمن في السُّنَنِ، والفرائضِ، والدِّيَاتِ: "أن لا يمسَّ القرآن إلا طاهر"٤.
(١) "مسائل حرب" (٣٤٦).
(٢) ذكره عنه - أيضًا - في "مدارج السالكين" (٢/ ٤٦٩). قال شيخ الإسلام: "وأمَّا مسُّ المصحف: فالصحيح أنَّه يجب له الوضوء، كقول الجمهور، وهذا هو المعروف عن الصحابة". "مجموع الفتاوى" (٢١/ ٢٨٨).
(٣) "أن في الكتاب الذي كتبه" ملحق بهامش (ن).
(٤) جزء من حديث طويل، مشهور عند أهل العلم بـ "كتاب رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم الأنصاري"، ويذكرونه مفرَّقًا على أبواب الفقه، أخرجه من هذا الطريق: الدارمي في "سننه" رقم (٢٣١٢)، والنسائي في "سننه" (٨/ ٥٧ - ٥٩)، وفي "الكبرى" رقم (٧٠٢٩ و٧٠٣٠)، وابن أبي عاصم في "الديات" رقم (١٤٢ و١٤٨ و١٦١)، وابن حبَّان في "صحيحه" رقم (٦٥٥٩)، والدارقطني في "سننه" رقم (٤٣٩)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٣٩٥) رقم (١٤٨٧)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٤/ ١٩٨١)، والعقيلي في "الضعفاء" =
قال أحمد: "أرجو أن يكون صحيحًا"١.
وقال أيضًا: "لا أَشُكُّ أنَّ رسولَ الله ﷺ كَتَبَهُ".
وقال أبو عمر٢: "هو كتابٌ مشهورٌ عند أهل السِّيَر، معروفٌ عند أهل العلم معرفةً يُسْتَغنى بشهرتها عن الإسناد؛ لأنَّه أشبه التواتر في مجيئه، لتلقِّي النَّاس له بالقبول والمعرفة". ثُمَّ قال: "وهو كتابٌ معروفٌ عند العلماء، وما فيه فَمُتَّفَقٌ عليه إلا
= (٢/ ٤٩٢)، وابن عدي في "الكامل" (٣/ ١١٢٣)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٨٨) رقم (٤٠٩)، وغيرهم. وللحديث شواهد، وصححه جمع من الأئمة، منهم: الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن عدي، والحاكم، والحازمي، وعبد الحق الإشبيلي، وغيرهم. قال يعقوب بن سفيان الفسوي: "ولا أعلم في جميع الكتب كتابًا أصح من كتاب عمرو بن حزم، كان أصحابُ النبيِّ ﷺ والتابعون يرجعون إليه، ويَدَعُون آراءهم". "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٢١٦). وقال العقيلي: "وهو عندنا ثابتٌ محفوظٌ إن شاء الله تعالى". "الضعفاء" (٢/ ٤٩٣). وانظر: "نصب الراية" (١/ ١٩٦)، و"البدر المنير" (٢/ ٤٩٩)، و"التلخيص" (١/ ٢٢٧)، و"إرواء الغليل" رقم (١٢٢).
(١) انظر: "جزء في مسائل عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل" للحافظ عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي رقم (٣٨) و(٧٢)، ومن طريقه ابن عدي في "الكامل" (٣/ ١١٢٣).
(٢) هو يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النَّمَرِي القرطبي، شيخ الإسلام وحافظ المغرب، صاحب سُنَّةٍ واتِّباعٍ، له: "التمهيد"، و"الاستذكار" - وهما من أجلِّ المصنفات - وغير ذلك، توفي في شاطبة سنة (٤٦٣ هـ) ﵀. انظر: "وفيات الأعيان" (٧/ ٦٦)، و"السير" (١٨/ ١٥٣).