فمن لم يؤمن بأنَّه حقٌّ من عند الله ففي قلبه منه أعظمُ١ حرجٍ.
ومن لم يؤمن بأنَّ الله - سبحانه - تكلَّم به حقًّا، وليس مخلوقًا من جملة مخلوقاته؛ ففي قلبه منه حَرَجٌ٢.
ومن قال: إنَّ٣ له باطنًا يخالف ظاهره، وإنَّ له تأويلًا يخالف ما يُفْهَمُ منه؛ ففي قلبه منه حَرَجٌ٤.
ومن قال: إنَّ له تأويلًا لا نفهمه، ولا نعلمه، وإنَّما نتلوه مُتَعبِّدِين بألفاظه؛ ففي قلبه حَرَجٌ منه٥.
ومن سلَّط عليه آراء الآرائيين، وهذيان المتكلِّمين، وسَفْسَطَة المتسَفْسِطِين، وخيالات المُتَصوِّفين؛ ففي قلبه منه حَرَجٌ.
ومن جعله تابعًا لنِحْلَتِهِ ومذهبه، وقول من قلَّده دينه، ينزِّلُه على أقواله، ويتكلَّفُ حمله عليها؛ ففي قلبه منه حَرَجٌ.
ومن لم يُحَكِّمْهُ ظاهرًا وباطنًا في أصول الدِّين وفروعه، ويُسَلِّمْ وينقاد٦ لِحُكْمه أين كان؛ ففي قلبه منه حَرَجٌ٧.
(١) ساقط من (ح) و(م).
(٢) من قوله: "ومن لم يؤمن بأن الله. . ." إلى هنا؛ ملحق بهامش (ك).
(٣) ساقط من (ز) و(ن) و(ك) و(ط).
(٤) من قوله: "ومن قال: إن له باطنًا. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ح).
(٥) من قوله: "ومن قال إن له تأويلًا. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ز).
(٦) الوجه: ويَنْقَدْ؛ لأنه معطوف على مجزوم.
(٧) من قوله: "ومن لم يحكِّمْه ظاهرًا. . ." إلى هنا؛ ملحق بهامش (ن).
ومن لم يأْتَمِرْ بأوامره، ويَنْزَجِرْ عن زواجره، ويُصَدِّقْ جميع أخباره، ويُحَكِّمْ أَمْرَهُ ونَهْيَهُ وخَبَرَهُ، ويَرُدَّ له كلِّ أمرٍ ونَهْيٍ وخبرٍ خالَفَهُ؛ ففي قلبه منه حَرَجٌ.
وكلُّ هؤلاء لا تَمسُّ قلوبَهم معانيه، ولا يفهمونه كما ينبغي أن يُفْهَم، ولا يجدون من لذَّةِ حلاوته وطعمه ما وَجَدَهُ الصحابةُ ومن تَبِعَهُم١.
وأنتَ إذا تأمَّلْتَ قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾[الواقعة: ٧٩]، وأعطيت الآية حقَّها من دلالة اللفظ، وإيمائه، وإشارته، وتنبيهه، وقياس الشيء على نظيره، واعتباره بمُشَاكِلِه، وتأمَّلْتَ المشابهة التي عَقَدَها الله - سبحانه - وربطها بين الظاهر والباطن = فَهِمْتَ هذه المعاني كلَّها من الآية، وبالله التوفيق.
فصل
ثُمَّ أكَّدَ ذلك وقرَّرَهُ وأطَّدَهُ بقوله ﷿: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ٨٠﴾[الواقعة: ٨٠]، وهذا كما أنَّه لازِمٌ لكونه قرآنًا كريمًا في كتابٍ مكنونٍ؛ فهو ملْزُومٌ له. فهو دليلٌ عليه، ومدلولٌ له.
وأفاد كونه تنزيلًا من ربِّ العالمين مطلوبَين٢ عظيمَين هما أَجَلُّ مَطَالب الدِّين: