التبيان

أحدهما: أنَّه المتكلِّم به، وأنَّه منه نَزَل، ومنه بَدَأ، وهو الذي تكلَّم به. ومن هنا قال السلف: "منه بدأ".

ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢].

والثاني: عُلُوُّ اللهِ - سبحانه - فوق خَلْقه، فإنَّ "النُّزُول" و"التنزيل" - الذي تعقله العقول وتعرفه الفِطَر - هو وصول الشيء من أَعْلَى إلى أسفل، والرَّبُّ - تعالى - إنَّما يخاطب عباده بما تعرفه فِطَرُهم، وتشهد به عقولهم.

وذَكَر "التنزيل" مضافًا إلى ربوبيته للعالَمين المستلزِمة لملكه لهم، وتَصَرُّفِهِ فيهم، وحكمِهِ عليهم، وإحسانِهِ وإنعامِهِ عليهم، وأنَّ مَنْ هذا شَأْنُهُ مع الخَلْق كيف يليق به مع ربوبيته التامَّةِ أن يتركَهم سدىً، ويَدَعَهُم هَمَلًا، ويخلقَهم عبثًا، لا يأمرهم ولا ينهاهم، ولا يثيبهم ولا يعاقبهم. فمن أقرَّ بأنَّه ربُّ العالَمين؛ أقرَّ بأنَّ القرآن تنزيله على رسوله.

واستَدَلَّ بكونه ربَّ العالَمين على ثبوتِ رسالة رسوله ﷺ، وصحةِ ما جاء به. وهذا الاستدلال أقوى وأشرف من الاستدلال بالمعجزات والخوارق، وإن كانت دلالتها أقرب إلى أذهان عموم النَّاس، وتلك إنَّما تكون لخواصِّ العقلاء.

وقد أشار - سبحانه - إلى الطريقين في غير موضع من كتابه، كقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]، فهذا استدلالٌ بالآيات المُعَايَنَة المخلوقة، ثُمَّ قال: ﴿أَوَلَمْ

343

يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾، فهذا استدلالٌ١ بكمال ربوبيته، وكمال أوصافه؛ على صدق رسوله فيما جاء به.

وهذه الطريق أخصُّ، وأقوى، وأكمل، وأَعْلَى. والأُولَى٢ أعمُّ وأشمل، وقد تقدَّم بيانها عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ٤٤﴾ [الحاقة: ٤٤]٣.

وأين الاستدلال بأوصاف الرَّبِّ - تعالى - وكماله المقدَّس على ثبوت النَّبِيِّ٤ وبعثه، من الاستدلال عليه ببعض مخلوقاته؟

وتأمَّلْ فَرْقَ ما بين استدلال٥ سيدة نساء العالَمين خديجة ﵂ بصفات الرَّبِّ تعالى، وصفات محمد ﷺ، واستنتاجها٦ من بين هذين الأمرين صحة نبوَّته٧، وأنَّه رسول الله حقًّا، وأنَّ من كانت هذه صفاته فصفات ربِّهِ وخالقه تَأْبَى أن يُخْزِيَهُ، وأنَّه لا بُدَّ أن يؤيِّدَه، ويُعْلِيَهُ، ويُتِمَّ نعمته عليه٨.

وأنتَ إذا تأمَّلْتَ هذه الطريقةَ وهذا الاستدلالَ وجدتَ بينها وبين

  1. (١) من قوله: "بالآيات المعاينة. . ." إلى هنا؛ ملحق بهامش (ن).
  2. (٢) من (م)، وفي باقي النسخ: والأول.
  3. (٣) من أول الفصل إلى هنا مفقود من (ك).
  4. (٤) في (ز) و(ن) و(ك) و(ط): الشيء.
  5. (٥) في (ز): الاستدلال من، وفي (ط) كذلك بدون: من.
  6. (٦) تصحفت في (ن) و(ك) و(ط) إلى: واستنساخها.
  7. (٧) تصحفت في (ك) إلى: ثبوته.
  8. (٨) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (٣)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٦٠)، من حديث عائشة ﵂.
344

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي