وإذا حصل للعبد الفقه في الأسماء والصفات انتفع به في باب معرفة الحقِّ والباطل من الأقوال، والطرائق، والمذاهب، والعقائد = أعظمَ انتفاعٍ وأتمَّهُ. وقد بينَّا في كتابنا١ "المَعَالم"٢ بطلان التحليل وغيره من الحِيَل الربويَّة بأسماء الربِّ وصفاته، وأنَّه يستحيل على الحكيم أن يُحَرِّمَ الشيء ويتوعَّدَ٣ على فعله بأعظم أنواع العقوبات، ثُمَّ يُبِيح التوصُّل إليه بنفسه بأنواع٤ التحيُّلات.
فأين ذلك الوعيد الشديد، وجواز التوصُّل إليه بالطريق البعيد؟! إذ ليست حكمة الرَّبِّ - تعالى - وكمال علمه وأسمائه وصفاته؛ تنتقض٥ بإحالة ذلك وامتناعه عليه٦.
فهذا استدلالٌ بالفقه الأكبر في الأسماء والصفات٧ على الفقه
(١) "في كتابنا" ملحق بهامش (ك).
(٢) هو كتاب "إعلام الموقعين"، وانظر فيه: إبطال التحليل (٤/ ٤٠٨ - ٤٢٦)، وإبطال عموم الحيل (٤/ ٥٢٢) فما بعده. وقد ذكره ابن القيم باسم "المعالم" في ثلاثة مواضع من كتبه، هذا ثالثها، كما أفاده الشيخ العلامة بكر أبو زيد في كتابه "ابن قيم الجوزية: حياته، آثاره، موارده" (٢١٤).
(٣) من (م)، وفي باقي نسخ. ويتواعد.
(٤) "بأنواع" ملحق بهامش (ن).
(٥) في (ن) و(ك): تنتقص.
(٦) كذا في جميع النسخ! ولا تستقيم العبارة مع ما قبلها، فلعل الصواب هكذا: إذ حكمة الرَّبِّ - تعالى - وكمال علمه وأسمائه وصفاته تقضي بإحالة ذلك، وامتناعه عليه. ويمكن أن تقرأ هكذا: أَوَ ليست حكمة الرَّبِّ. . . إلخ.
(٧) "في الأسماء والصفات" ملحق بهامش (ك).
العَمَليِّ في باب الأمر والنَّهْي.
وهذا بابٌ حرامٌ على الجَهْميِّ المُعَطِّلِ أن يَلِجَهُ، وجَنَّةٌ حرامٌ عليه رِيحُها، وإنَّ ريحَها ليوجد من مسيرة خمسين ألف سنة. والله العزيز الوهَّاب، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وبه التوفيق.
فصل
ثُمَّ وبَّخَهُم - سبحانه - على وَضْعِهم الإدْهَانَ١ في غير موضعه، وأنَّهم يُدَاهِنُون بما حَقُّه أن يُصْدَعَ به، ويُفَرَّقَ به، ويُعَضَّ عليه بالنَّواجذ، وتُثْنى عليه الخَنَاصِر، وتُعْقَدَ٢ عليه القلوبُ والأفئدة، ويُحَارَبَ ويُسَالَمَ لأجله، ولا يُلْتَوَى عنه يَمْنَةً ولا يَسْرَةً، ولا يكون للقلب التفاتٌ إلى غيره، ولا محاكمةٌ إلا إليه، ولا مخاصمةٌ إلا به، ولا اهتداءٌ في طُرُق المطالب العالية إلا بنُوره، ولا شفاءٌ إلا به، فهو روحُ الوجود، وحياة العالم، ومدار السعادة، وقائدُ الفلاح، وطريقُ النَّجاة، وسبيلُ الرَّشاد، ونورُ البصائر، فكيف تُطْلَبُ المُدَاهَنَةُ بما هذا شأنه، ولم ينزل للمُدَاهَنة؟ وإنَّما أُنزل بالحقِّ وللحقِّ.
والمُدَاهَنة إنَّما تكون في باطِلٍ قَوِيٍّ لا يمكن إزالته، أو في حَقٍّ ضعيفٍ لا يمكن إقامته، فيحتاج المداهِنُ إلى أنْ يترك بعض الحقِّ، ويلتزم بعض الباطل، فأمَّا الحقُّ الذي قام به كلُّ حَقٍّ فكيف يُدَاهن به؟
ثُمَّ قال سبحانه: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ٨٢﴾[الواقعة: ٨٢]،