ومن بعض معنى الآية قولهم: "مُطِرْنَا بِنَوْءِ كذا وكذا"٣، فهذا
(١) هذا مذهب الجمهور، وعليه أكثر السلف. "زاد المسير" (٧/ ٢٩٥). واختاره: الفَرَّاء في "معانيه" (٣/ ١٣٠)، والزجَّاج في "معانيه" (٥/ ١١٦). قال القرطبي: "وإنَّما صَلُح أن يوضَع اسم "الرِّزْق" مكان شكره؛ لأنَّ شُكْر الرِّزْقِ يقتضي الزيادة فيه، فيكون "الشكر" رزقًا على هذا المعنى، فقيل: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ أي: شكر رزقكم الذي لو وُجِد منكم لعَادَ رزقًا لكم، ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ٨٢﴾ بالرزق، أي: تضعون الكذب مكان الشكر". "الجامع" (١٧/ ٢٢٨).
(٢) هذا قول جمال الدين ابن مالك في "شرح الكافية الشافية" (٢/ ٩٧١)، وكذا نسبه إليه السمين الحلبي في "الدر المصون" (١٠/ ٢٢٨). ونقل الواحديُّ في "الوسيط" (٤/ ٢٤٠) عن الأزهري قولًا يؤيِّدُه! والذي في "تهذيب اللغة" (٨/ ٤٣٠)، و"علل القراءات" (٢/ ٦٧٠) - كلاهما للأزهري - مثلُ قول الجمهور.
(٣) أخرج مسلم في "صحيحه" رقم (٧٣) من حديث ابن عباس ﵄ قال: مُطِر النَّاسُ على عهد النبيِّ ﷺ، فقال النبيُّ ﷺ: "أصبح من النَّاس شاكرٌ، ومنهم كافر. قالوا: هذه رحمةُ الله، وقال بعضهم: لقد صَدَق نَوء كذا وكذا" قال: فنزلت هذه الآية ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ٧٥﴾ حتى بلغ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ٨٢﴾. وأخرج: أحمد في "المسند" (١/ ٨٩) رقم (٦٧٧) و(١/ ١٨٠) رقم (٨٤٩)، وعبد الله في زوائده على "المسند" (١/ ١٣١) رقم (١٠٨٧)، والترمذي في "سننه" رقم (٣٢٩٥)، والبزار في "البحر الزخَّار" رقم (٥٩٣)، وابن جرير =
يصلح أن تدلَّ عليه الآية ويراد بها١، وإلا فمعناها أوسعُ منه وأعمُّ وأعلى. والله أعلم.
فصل
ثُمَّ خَتَم السورةَ بأحوالهم عند القيامة الصغرى، كما ذكر في أوَّلها أحوالَهم في القيامة الكبرى، وقسَّمَهم إلى ثلاثة أقسامٍ كما قسَّمهم هناك إلى ثلاثة أقسام.
وذكر بين يدي هذا التقسيم الاستدلال على صحته وثبوته، بأنَّهم مَرْبُوبُون مُدَبَّرُون مملُوكُون، فوقهم ربٌّ قاهِرٌ مالِكٌ يتصرَّف فيهم
= في "تفسيره" (١١/ ٦٦٢)، وغيرهم من حديث علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ٨٢﴾ قال: شُكْركم، تقولون: مُطِرْنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا". قال الترمذي: "هذا حديث حسنٌ غريب". وفي إسناده: عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، قال ابن رجب: "ضعَّفَه الأكثرون، ووثقه ابن معين". "فتح الباري" (٦/ ٣٣٥). وقد اختُلف في رفعه ووقفه، وكان سفيان الثوري ينكر على من رفعه، وقال الدارقطني: "ويشبه أن يكون الاختلاف من جهة عبد الأعلى". "العلل" (٤/ ١٦٣). وبهذا اللفظ روي موقوفًا على ابن عباس ﵄ أخرجه: آدم بن أبي إياس في "تفسيره" - كما عزاه إليه ابن رجب في "فتح الباري" (٦/ ٣٣٤) -، وابن جرير في "تفسيره" (١١/ ٦٦٢).
(١) وهذا هو القول المعروف والمشهور عند المفسرين، حتى قال ابن عطية: "أجمع المفسرون على أنَّ الآية توبيخٌ للقائلين في المطر الذي نزَّله الله - تعالى - رزقًا للعباد: هذا بِنَوْء كذا وكذا، وهذا بِنَوء الأسد، وهذا بِنَوء الجوزاء، وغير ذلك". "المحرر الوجيز" (١٤/ ٢٧٢).