ويكون - سبحانه - قد أقسَمَ بهذه الآية الظاهرة المشاهَدَة، التي نَصَبَها الله - سبحانه - آيةً، وحِفْظًا للوحي من استراق الشياطين له؛ على أنَّ ما أتى به رسولُه حقٌّ وصِدْقٌ، لا سبيل للشيطان ولا طريقَ له إليه، بل قد حُرِسَ بـ "النَّجْم" إذا هَوَى؛ رَصْدًا بين يدي الوحي، وحرسًا له.
وعلى هذا فالارتباط بين المُقْسَمِ به والمُقْسَمِ عليه في غاية الظهور، وفي المُقْسَمِ به دليلٌ على المُقْسَمِ عليه.
وليس بالبَيِّن تسمية القرآن عند نزوله بـ: النَّجْم إذا هَوَى، ولا تسمية نزوله: هويًّا، ولا عُهِد في القرآن بذلك فيُحْمَل هذا اللفظ عليه.
وليس بالبَيِّن - أيضًا - تخصيصُ هذا القَسَم بـ "الثُّرَيَّا" وحدها إذا غَابَتْ.
وليس بالبَيِّنِ - أيضًا - القَسَمُ بالنُّجُوم٢ عند انتثارها يوم القيامة، بل هذا ممَّا يُقْسِمُ الرَّبُّ عليه، ويدلُّ عليه بآياته، فلا يجعله نفسَهُ دليلًا، لعدم ظهوره للمخاطَبِين، ولاسيما منكرو البعث، فإنَّه - سبحانه - إنَّما يستدِلُّ بما لا يمكنَ جَحْدُه، ولا المكابرة فيه. فأظهر الأقوال قول الحسن. والله أعلم.
(١) وهو قول: الضحَّاك، "وهذا القول تسعده اللغة". انظر: "المحرر الوجيز" (١٤/ ٨١)، و"البحر المحيط" (٨/ ١٥٤)، و"تفسير ابن كثير" (٧/ ٤٤٢).
(٢) في (ز) و(ن) و(ك) و(ط): بالنجم.
وبين المُقْسَم به والمُقْسَم عليه من التناسب ما لا يخفى؛ فإنَّ النُّجُومَ التي تُرمَى بها الشياطين آياتٌ من١ آياتِ الله، يَحْفَظُ بها دينَهُ، ووحيَهُ، وآياته المنزَّلة على رسوله، فَبِها ظهر دينُهُ، وشرعُهُ، وأسماؤُهُ، وصفاتُهُ، وجُعِلَتْ هذه النُّجُومُ المشاهَدة خَدَمًا وحرسًا لهذه النُّجُوم الهادية.
ونَفَى - سبحانه - عن رسوله الضلالَ المنافي للهُدَى، والغَيَّ المنافي للرَّشَاد. ففي ضمن هذا النَّفْي الشهادة له بأنَّه على الهُدَى والرُّشْد، فالهُدَى في عِلْمِهِ، والرُّشْد في عَمَلِهِ.
وهذان الأصلان هما غاية كمال العبد، وبهما سعادته وفلاحه. وبهما وصَفَ النبيُّ ﷺ خلفاءَهُ؛ فقال: "عليكم بِسُنَّتَي وسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدين المَهْدِيِّين مِنْ بعدي"٢.
فالرَّاشِد ضِدُّ الغاوي، والمَهْديُّ ضِدُّ الضَّالِّ، وهو الذي زَكَتْ نَفْسُهُ بالعلم النَّافع والعمل الصالح، وهو صاحب الهُدَى ودينِ الحقِّ،
(١) "آياتٌ من" ملحق بهامش (ح).
(٢) أخرجه: أحمد في "المسند" (٤/ ١٢٦ - ١٢٧)، وأبو داود في "سننه" رقم (٤٦٠٧)، والترمذي في "سننه" رقم (٢٦٧٦)، وابن ماجه في "سننه" رقم (٤٢ و٤٣)، والدارمي رقم (٩٦)، وابن حِبَّان في "صحيحه" رقم (٥)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٩٥ - ٩٧)، وغيرهم … من حديث العرباض بن سارية ﵁. قال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وصححه: البزار، والهروي، وابن حِبَّان، والحاكم ووافقه الذهبي، وابن عبد البر، والضياء المقدسي، وابن رجب، وغيرهم. وانظر: "السلسلة الصحيحة" رقم (٩٣٧)، و"الإرواء" رقم (٢٤٥٥).