التبيان

وبين المُقْسَم به والمُقْسَم عليه من التناسب ما لا يخفى؛ فإنَّ النُّجُومَ التي تُرمَى بها الشياطين آياتٌ من١ آياتِ الله، يَحْفَظُ بها دينَهُ، ووحيَهُ، وآياته المنزَّلة على رسوله، فَبِها ظهر دينُهُ، وشرعُهُ، وأسماؤُهُ، وصفاتُهُ، وجُعِلَتْ هذه النُّجُومُ المشاهَدة خَدَمًا وحرسًا لهذه النُّجُوم الهادية.

ونَفَى - سبحانه - عن رسوله الضلالَ المنافي للهُدَى، والغَيَّ المنافي للرَّشَاد. ففي ضمن هذا النَّفْي الشهادة له بأنَّه على الهُدَى والرُّشْد، فالهُدَى في عِلْمِهِ، والرُّشْد في عَمَلِهِ.

وهذان الأصلان هما غاية كمال العبد، وبهما سعادته وفلاحه. وبهما وصَفَ النبيُّ ﷺ خلفاءَهُ؛ فقال: "عليكم بِسُنَّتَي وسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدين المَهْدِيِّين مِنْ بعدي"٢.

فالرَّاشِد ضِدُّ الغاوي، والمَهْديُّ ضِدُّ الضَّالِّ، وهو الذي زَكَتْ نَفْسُهُ بالعلم النَّافع والعمل الصالح، وهو صاحب الهُدَى ودينِ الحقِّ،

  1. (١) "آياتٌ من" ملحق بهامش (ح).
  2. (٢) أخرجه: أحمد في "المسند" (٤/ ١٢٦ - ١٢٧)، وأبو داود في "سننه" رقم (٤٦٠٧)، والترمذي في "سننه" رقم (٢٦٧٦)، وابن ماجه في "سننه" رقم (٤٢ و٤٣)، والدارمي رقم (٩٦)، وابن حِبَّان في "صحيحه" رقم (٥)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٩٥ - ٩٧)، وغيرهم … من حديث العرباض بن سارية ﵁.
    قال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وصححه: البزار، والهروي، وابن حِبَّان، والحاكم ووافقه الذهبي، وابن عبد البر، والضياء المقدسي، وابن رجب، وغيرهم.
    وانظر: "السلسلة الصحيحة" رقم (٩٣٧)، و"الإرواء" رقم (٢٤٥٥).
364

ولا يشتبه الرَّاشدُ المَهْديُّ بالضَّالِّ الغاوي إلا على أجهل خلق الله، وأعماهم قلبًا، وأَبْعَدِهم من حقيقة الإنسانية. ولله درُّ القائل:

وما انْتِفَاعُ أَخِي الدُّنْيا بِنَاظِرِهِإذا اسْتَوَتْ عندَهُ الأَنْوَارُ والظُّلَمُ١

فالنَّاسُ أربعة أقسام:

ضالٌّ في علمه، غاوٍ في قصده وعمله. وهؤلاء شرار الخلق، وهم مخالفو الرُّسُل.

الثاني: مُهْتَدٍ في علمه، غاوٍ في قصده وعمله. وهؤلاء هم الأُمَّةُ الغَضَبِيَّةُ٢ ومن تشبَّهَ بهم، وهو حال كلِّ من عرف الحقَّ ولم يعمل به.

الثالث: ضالٌّ في علمه، ولكن قصده الخير، وهو لا يشعر.

الرابع: مُهْتَدٍ في علمه، راشِدٌ في قصده. وهؤلاء ورثة الأنبياء، وهم وان كانوا الأَقلِّين عددًا فهم الأكثرون عند الله قَدْرًا، وهم صفوةُ الله من عباده، وحِزْبُهُ٣ من خلقه.

وتأمَّلْ كيف قال سبحانه: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾، ولم يقل: ما ضَلَّ محمدٌ؛ تأكيدًا لإقامة الحُجَّة عليهم، بأنَّه صاحبهم، وهم أعلم الخلق به وبحاله، وأقواله، وأعماله، وأنَّهم لا يعرفونه بكذبٍ، ولا غَيٍّ، ولا ضلالٍ، ولا يَنْقِمُون عليه أمرًا واحدًا قَطُّ. وقد نبَّهَ على هذا المعنى بقوله: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦٩]، وبقوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ

  1. (١) البيت للمتنبي "ديوانه" (٣٣٢).
  2. (٢) يقصد أمة اليهود الذين غضب الله عليهم.
  3. (٣) "حزبه" ملحق بهامش (ك).
365

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي