التبيان

بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾ [التكوير: ٢٢].

فصل

ثُمَّ قال سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ٣ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ٤﴾ [النجم: ٣، ٤]، يُنَزِّهُ -تعالى - نُطْقَ رسولِهِ أن يَصْدُرَ عن هَوَىً، وبهذا الكمال هُدَاهُ ورُشْدُهُ.

وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ٣﴾، ولم يقل: وما ينطق بالهَوَى؛ لأنَّ نَفْيَ نُطْقِهِ عن الهَوَى أبلغ، فإنَّهُ يتضمَّنُ أنَّ نُطْقَهُ لا يصدر عن هَوَىً، وإذا لم يَصْدُر عن هَوَى فكيف ينطق به؟ فتضمَّنَ نَفْيَ الأمرين: نَفْيَ الهَوَى عن مصدر النُّطْق، ونَفْيَهُ عن النُّطْقِ نَفْسِهِ. فَنُطْقُه بالحقِّ، ومصدَرُهُ الهُدَى والرَّشَاد، لا الغَيُّ والضلالُ.

ثُمَّ قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ٤﴾؛ فأعاد الضمير على المصدر المفهوم من الفعل، أي: ما نُطْقُهُ إلا وَحْيٌ يُوحَى.

وهذا أحسنُ من قول من جعل الضمير عائدًا إلى القرآن، فإنَّهُ يَعُمُّ نُطْقَهُ بالقرآن والسُّنَّةِ، وإنَّ كليهما وحيٌ يُوحَى.

وقد احتجَّ الشافعيُّ لذلك فقال١: "لعلَّ من حُجَّةِ من قال بهذا قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣] ". قال: "ولعلَّ من حُجَّته أن يقول: قال رسول الله ﷺ لأبي الزَّاني بامرأةِ الرجلِ الذي صالَحَهُ على الغنم والخادم: "والذي نفسي بيده لأَقْضِيَنَّ بينكما بكتاب الله: الغنمُ والخَادِمُ رَدٌّ عليك. . ."٢ الحديث.

  1. (١) "كتاب الأم" (٦/ ٣٢٩ - ٣٣٠): كتاب الفرقة بين الأزواج، باب: اللِّعَان.
  2. (٢) أخرجه: البخاري في "صحيحه" الأرقام (٢٦٩٥ - ٢٦٩٦، ٢٧٢٤ - ٢٧٢٥، =
366

وفي "الصحيحين" أنَّ يَعْلَى بن أُميَّة كان يقول لعُمَر: ليتني أَرَى رسولَ الله ﷺ حين ينزل عليه الوحي، فلمَّا كان بالجِعِرَّانَة١ سأله رجلٌ، فقال: كيف ترى في رجلٍ أحرم بعمرةٍ في جُبَّةٍ، بعدما تَضَمَّخَ بالخَلُوق٢؟ فنظر إليه النبيُّ ﷺ ساعةً، ثُمَّ سكت، فجاءَهُ الوحيُ، فأشار عمرُ بيده إلى يَعْلَى، فجاء، فادخَلَ رأسَهُ، فإذا النبيُّ ﷺ مُحْمَر يَغِطُّ٣، ثُمَّ سُرِّيَ عنه، فقال: "أين السائل آنفًا؟ " فجِيءَ به، فقال: "انْزِعْ عنكَ الجُبَّةَ، واغسِلْ أَثَر الطِّيبِ، واصْنَعْ في عُمْرَتك ما تصنَعُ في حَجِّكَ"٤.

  1. = ٦٦٣٣ - ٦٦٣٤، ٦٨٢٧ - ٦٨٢٨، ٦٨٣٥ - ٦٨٣٦، ٦٨٤٢ - ٦٨٤٣، ٦٨٦٠، ٧٢٥٨ - ٧٢٦٠)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٦٩٧ - ١٦٩٨)، وغيرهما من حديث أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني ﵄.
  2. (١) "الجِعرانة": لا خلاف في كسر أوَّله، وأصحاب الحديث يكسرون عينه، ويشدِّدون راءه. وأهل الأدب يخطئونهم؛ ويسكِّنون العين، ويخفِّفون الراء. والصحيح أنهما لغتان جيدتان.
    قال علي بن المديني: "أهل المدينة يثقِّلون "الجعرَّانة" و"الحديبيَّة"، وأهل العراق يخففونهما".
    وهي منزِلٌ بين الطائف ومكة، وقربها إلى مكة أكثر، نَزَلَهُ رسول الله ﷺ وقسم بها غنائم حُنَين، وأحرم منها بالعمرة.
    "مراصد الاطلاع" لصفيِّ الدين البغدادي (١/ ٣٣٦) بتصرف يسير.
  3. (٢) "الخَلُوق": طِيبٌ معروفٌ، مركَّبٌ، يُتَّخَذُ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب، وتغلِبُ عليه الحمرة أو الصفرة.
    انظر: "النهاية" لابن الأثير (٢/ ٧١)، و"المصباح المنير" للفيومي (٢٤٦).
  4. (٣) "يَغِطُّ": من الغطيط؛ وهو: صوت النَّفَس المتردِّد من النائم أو المُغْمَى عليه.
    وسبب ذلك - في الحديث - شدَّة ثقل الوحي. "الفتح" (٣/ ٤٦١).
  5. (٤) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (١٧٨٩، ١٨٤٧، ٤٣٢٩، ٤٩٨٥) وفي رقم (١٥٣٦) معلقًا، ومسلم في "صحيحه" رقم (١١٨٠).
367

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي