وإمَّا أن تكون موصولة؛ فيكون المعنى: ما كَذَّبَ الفؤادُ الذي١ رآه بعينه.
وعلى التقديرين؛ فهو إخبارٌ عن تطابقِ رؤية القلب لرؤية البصر وتوافُقِهما، وتصديقِ كلٍّ منهما لصاحبه. وهذا ظاهرٌ جدًّا في قراءة التشديد.
وقد استشكلها طائفةٌ منهم المُبَرِّد، وقال: "في هذه القراءة بُعْدٌ"، قال: "لأنَّه٢ إذا رأى بقلبه فقد عَلِمَهُ - أيضًا - بقلبه، وإذا وَقَعَ العِلْمُ فلا كذب معه؛ فإنَّه إذا كان الشيء في القلب معلومًا، فكيف يكون معه تكذيب؟ "٣.
قلتُ: وجواب هذا من وجهين:
أحدهما: أنَّ الرجلَ قد يتخيَّلُ الشيءَ على خلاف ما هو به فَيَكْذِبُهُ قَلْبُهُ، إذ يُريه صورةَ المعلوم على خلاف ما هي عليه، كما تَكْذِبُهُ عَيْنُهُ، فيقال: كَذَبَهُ قَلْبُهُ، وكَذَبَهُ ظَنُّهُ، وكَذَبَتْهُ عَيْنُهُ. فنَفَى - سبحانه - ذلك عن رسوله، وأخبر أنَّ ما رآه الفؤادُ فهو كما رآه، كَمَنْ رأى الشيءَ على حقيقة ما هو به، فإنَّه يصحُّ أن يقال: لم تَكذِبْهُ عَينُهُ.
الثاني: أن يكون الضمير في ﴿رَأَى ١١﴾ عائدًا إلى
(١) تكررت مرتين في (ك).
(٢) في (ز) و(ن) و(ك) و(ط) زيادة: رأى!
(٣) ذكره الواحديُّ في "الوسيط" (٤/ ١٩٥ - ١٩٦)، وقال عقبه: "وهذا على ما قال المبرد إذا جعَلْتَ الرؤيةَ للفؤاد، فإن جعلتها للعين زال الإشكال، وصحَّ المعنى، فيقال: ما كذب فؤادُه ما رآه ببصره".
الرائي١ لا إلى الفؤاد، ويكون المعنى: ما كذَّبَ الفؤادُ ما رآهُ البَصَرُ. وهذا - بحمد الله - لا إشكال فيه، والمعنى: ما كذَّبَ الفؤادُ ما رآهُ البَصَرُ٢، بل صدَّقَهُ.
وعلى القراءتين فالمعنى: ما أَوْهَمَهُ الفؤادُ أنَّه رأى ولم يَرَ، ولا اتَّهَمَ بصَرَهُ.
ثُمَّ أنكر - سبحانه - عليهم مُكَابَرَتَهُم وجَحْدَهُم له على ما رآه، كما يُنْكَرُ على الجاهل مُكَابَرَتُهُ للعالِم، ومُمَاراتُهُ له على ما عَلِمَهُ.
وفيها قراءتان: "أَفَتُمَارُونَهُ"، و"أَفَتَمْرُونَهُ"٣.
وهذه المادَّةُ أصلها من: الجَحْدِ والدَّفْعِ، تقول: مَرَيْتُ الرجلَ حقَّه؛ إذا٤ جَحَدْتَهُ. كما قال الشاعر٥:
(١) في جميع النسخ: الرأي، ولعله تحريف.
(٢) من قوله: "وهذا - بحمد الله -. . ." إلى هنا؛ ملحق بهامش (ح). و"ما رآه البصر" ساقط من (ز) و(ن) و(ك) و(ط).
(٥) ذُكر هذا البيت في: "الكشاف" (٤/ ٤٢١)، و"البحر المحيط" (٨/ ١٥٧)، و"الدر المصون" (١٠/ ٨٩)، و"الجامع" (١٧/ ٩٣)؛ بدون نسبةٍ لقائل! وقد شرحه محبُّ الدين أفندي في "تنزيل الآيات على الشواهد من الأبيات" (٩٧) وذكر له نظائر، لكنه لم ينسبه لقائله -على خلاف عادته في كتابه هذا! - والله أعلم.