وفيهما - أيضًا - قال: قلت لعائشة: فأين قوله ﷿: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ٨ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ٩﴾؟ قالت: "إنَّما ذاك جبريل؛ كان يأتيه في صورة الرجال، وإنَّه أتاه في هذه المَرَّة في صورته التي هي صورته، فَسَدَّ الأُفق"١.
وفي "صحيح مسلم" أنَّ أبا ذَرٍّ سأله ﷺ: هل رأيتَ ربَّكَ؟ فقال: "نورٌ أنَّى أَرَاهُ"٢.
وفي "صحيحه" - أيضًا - من حديث أبي موسى الأشعري قال: قام فِينَا رسولُ الله ﷺ بخمس كلماتٍ، فقال: "إنَّ اللهَ لا ينامُ، ولا ينبغي له أن يَنَامَ، يَخْفِضُ القِسْطَ ويرفَعُه، يُرْفَعُ إليه عَمَلُ الليل قبل النَّهار، وعَمَلُ النَّهار قبل الليل، حِجَابُه النُّور، لو كَشَفَهُ لأحرقت سُبُحَاتُ وجهِهِ ما انتهى إليه بَصَرُهُ من خَلْقِهِ"٣.
وهذا الحديث ساقه مسلمٌ بعد حديث أبي ذَرٍّ المتقدِّم عَقِيبه، وهو كالتفسير له.
ولا ينافي هذا قوله في الحديث الصحيح - حديث الرؤية يوم القيامة -: "فيكْشِفُ الحِجَابَ، فينظرون إليه"٤؛ فإنَّ النُّورَ الذي هو
= (١٧٧).
(١) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (٣٢٣٥)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٧٧).
(٢) أخرجه مسلم في "صحيحه" رقم (١٧٨).
(٣) أخرجه مسلم في "صحيحه" رقم (١٧٩).
(٤) أخرجه بهذا اللفظ: أحمد في "المسند" (٤/ ٣٣٢) رقم (١٨٩٣٥)، و(٤/ ٣٣٣) رقم (١٨٩٤١)، و(٦/ ١٥ - ١٦) رقم (٢٣٩٢٥)، وابن ماجه في =
حجاب الرَّبِّ - تعالى - يُرَادُ به الحجاب الأدنى إليه، وهو لو كَشَفَهُ لم يَقُمْ له شيءٌ، كما قال ابن عباس في قوله ﷿: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ قال: "ذاكَ نُورُه الذي هو نُورُه، إذا تجلَّى به لم يَقُمْ له شيءٌ"١.
وهذا الذي ذكره ابن عباس يقتضي أنَّ قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ على عمومه وإطلاقه في الدنيا والآخرة، ولا يلزم من ذلك أن لا يُرَى؛ بل يُرَى في الآخرة بالأبصار من غير إدراك.
وإذا كانت أبصارنُا لا تقوم لإدراك الشمس على ما هي عليه - وإنْ رأَتْها - مع القُرْب الذي بين المخلوق والمخلوق = فالتفاوت الذي بين أبصار الخلائق وذات الرَّبِّ ﷻ أعظَمُ وأعظَمُ.
= "سننه" رقم (١٨٦)، وابن خزيمة في "التوحيد" رقم (٢٥٩)، وابن حِبَّان رقم (٧٤٤١)، والطبراني في "الكبير" رقم (٧٣١٤)، وغيرهم … من حديث صُهَيب بن سنان ﵁. وأخرجه مسلم في "صحيحه" رقم (١٨١) بلفظ: "فيكشف الحجابَ، فما أُعطُوا شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إلى ربِّهم ﷿".
(١) أخرجه: الترمذي في "سننه" رقم (٣٢٧٩)، وابن أبي عاصم في "السُّنَّة" رقم (٤٣٧)، وابن خزيمة في "التوحيد" رقم (٢٧٣، ٢٧٤)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة" رقم (٩٢٠)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" رقم (٩٣٥). وعزاه الحافظ إلى: النسائي في "تفسيره"، وابن خزيمة في "صحيحه". "الغنية في مسألة الرؤية" (٤٨). قال الترمذي: "هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه". وقال ابن أبي عاصم: "وفيه كلام". وضعفه: البيهقي، والألباني في "ظلال الجنة" (١٩٠).