التبيان

حجاب الرَّبِّ - تعالى - يُرَادُ به الحجاب الأدنى إليه، وهو لو كَشَفَهُ لم يَقُمْ له شيءٌ، كما قال ابن عباس في قوله ﷿: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ قال: "ذاكَ نُورُه الذي هو نُورُه، إذا تجلَّى به لم يَقُمْ له شيءٌ"١.

وهذا الذي ذكره ابن عباس يقتضي أنَّ قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ على عمومه وإطلاقه في الدنيا والآخرة، ولا يلزم من ذلك أن لا يُرَى؛ بل يُرَى في الآخرة بالأبصار من غير إدراك.

وإذا كانت أبصارنُا لا تقوم لإدراك الشمس على ما هي عليه - وإنْ رأَتْها - مع القُرْب الذي بين المخلوق والمخلوق = فالتفاوت الذي بين أبصار الخلائق وذات الرَّبِّ ﷻ أعظَمُ وأعظَمُ.

  1. = "سننه" رقم (١٨٦)، وابن خزيمة في "التوحيد" رقم (٢٥٩)، وابن حِبَّان رقم (٧٤٤١)، والطبراني في "الكبير" رقم (٧٣١٤)، وغيرهم … من حديث صُهَيب بن سنان ﵁.
    وأخرجه مسلم في "صحيحه" رقم (١٨١) بلفظ: "فيكشف الحجابَ، فما أُعطُوا شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إلى ربِّهم ﷿".
  2. (١) أخرجه: الترمذي في "سننه" رقم (٣٢٧٩)، وابن أبي عاصم في "السُّنَّة" رقم (٤٣٧)، وابن خزيمة في "التوحيد" رقم (٢٧٣، ٢٧٤)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة" رقم (٩٢٠)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" رقم (٩٣٥).
    وعزاه الحافظ إلى: النسائي في "تفسيره"، وابن خزيمة في "صحيحه". "الغنية في مسألة الرؤية" (٤٨).
    قال الترمذي: "هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه".
    وقال ابن أبي عاصم: "وفيه كلام".
    وضعفه: البيهقي، والألباني في "ظلال الجنة" (١٩٠).
381

ولهذا لمَّا حَصَلَ للجبل أدنى شيءٍ من تَجَلِّي الرَّبِّ تَسَافَى١ الجَبَلُ، وانْدَكَّ لسُبُحَات ذلك القَدْر من التجلِّي.

وفي الحديث الصحيح المرفوع: "جنَّتَان من ذهب؛ آنِيَتُهما، وحِليَتُهما، وما فيهما، وجنَّتَان من فضَّةٍ؛ آنِيَتُهما، وحِليَتُهما، وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظرو إلى ربِّهم إلا رداء الكبرياء على وجهه، في جنَّةِ عَدْنٍ"٢.

فهذا يدلُّ على أنَّ رداء الكبرياء على وجهه٣ ﵎ هو المانع من رؤية الذَّات، ولا يمنع من أصل الرؤية، فإنَّ الكبرياء والعظمة أمرٌ لازمٌ لذاته تعالى. فإذا تجلَّى ﷾ لعباده يوم القيامة، وكشف الحجاب بينهم وبينه، فهو الحجاب المخلوق.

وأمَّا نُورُ الذَّات الذي يَحْجُبُ عن إدراكها؛ فذاك صفةٌ للذَّاتِ، لا تفارق ذاتَ الرَّبِّ ﷻ، ولو كَشَفَ ذلك الحجاب لأحرقت سُبُحَات وجهه ما أدركه بصَرُه من خلقه.

وتكفي هذه الإشارة في هذا المقام للمُصَدِّق المُوقن، وأمَّا

  1. (١) "تَسَافَى" أي: صار ترابًا، والسَّفَى: التراب.
    انظر: "لسان العرب" (٦/ ٢٩٠).
    و"تَسَافَى" كذا ضبطت في (ح) و(ن)، وربما كانت تحريف "سَاخَ"، فإن ابن القيم استعملها في مثل هذا السياق في "الصواعق المرسلة" (٣/ ١٠٦٤)، و"مدارج السالكين" (٢/ ٣٧٨)، و"إغاثة اللهفان" (٢/ ٢٩٦).
  2. (٢) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (٤٨٧٨ - ٤٨٨٠، ٧٤٤٤)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٨٠)؛ من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
  3. (٣) من قوله: "في جنة عَدْنٍ. . ." إلى هنا؛ ملحق بهامش (ن).
382

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي