ولهذا لمَّا حَصَلَ للجبل أدنى شيءٍ من تَجَلِّي الرَّبِّ تَسَافَى١ الجَبَلُ، وانْدَكَّ لسُبُحَات ذلك القَدْر من التجلِّي.
وفي الحديث الصحيح المرفوع: "جنَّتَان من ذهب؛ آنِيَتُهما، وحِليَتُهما، وما فيهما، وجنَّتَان من فضَّةٍ؛ آنِيَتُهما، وحِليَتُهما، وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظرو إلى ربِّهم إلا رداء الكبرياء على وجهه، في جنَّةِ عَدْنٍ"٢.
فهذا يدلُّ على أنَّ رداء الكبرياء على وجهه٣﵎ هو المانع من رؤية الذَّات، ولا يمنع من أصل الرؤية، فإنَّ الكبرياء والعظمة أمرٌ لازمٌ لذاته تعالى. فإذا تجلَّى ﷾ لعباده يوم القيامة، وكشف الحجاب بينهم وبينه، فهو الحجاب المخلوق.
وأمَّا نُورُ الذَّات الذي يَحْجُبُ عن إدراكها؛ فذاك صفةٌ للذَّاتِ، لا تفارق ذاتَ الرَّبِّ ﷻ، ولو كَشَفَ ذلك الحجاب لأحرقت سُبُحَات وجهه ما أدركه بصَرُه من خلقه.
وتكفي هذه الإشارة في هذا المقام للمُصَدِّق المُوقن، وأمَّا
(١) "تَسَافَى" أي: صار ترابًا، والسَّفَى: التراب. انظر: "لسان العرب" (٦/ ٢٩٠). و"تَسَافَى" كذا ضبطت في (ح) و(ن)، وربما كانت تحريف "سَاخَ"، فإن ابن القيم استعملها في مثل هذا السياق في "الصواعق المرسلة" (٣/ ١٠٦٤)، و"مدارج السالكين" (٢/ ٣٧٨)، و"إغاثة اللهفان" (٢/ ٢٩٦).
(٢) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (٤٨٧٨ - ٤٨٨٠، ٧٤٤٤)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٨٠)؛ من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٣) من قوله: "في جنة عَدْنٍ. . ." إلى هنا؛ ملحق بهامش (ن).
المُعَطِّلُ الجَهْمِيُّ فكلُّ هذا عنده باطِلٌ ومُحَالٌ.
والمقصود أنَّ المُخْبَر عنه بالرؤية في سورة "النَّجْم" هو: جبريلُ.
وأمَّا قولُ ابن عباس: "رأَى محمدٌ ربَّه بفؤاده مرَّتين"١؛ فالظاهر أنَّ مُسْتنَدَهُ هذه الآية، وقد تبيَّنَ أنَّ المرئيَّ فيها جبريلُ، فلا دلالة فيها على ما قاله ابن عباس.
وقد حكى عثمانُ بن سعيد الدَّارمي الإجماعَ على ما قالته عائشة ﵂، فقال - في نَقْضِهِ على المَرِيسي، في الكلام على حديث ثوبانَ، ومعاذٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "رأَيتُ ربِّي البَارِحَةَ في أحسَنِ صُورَةٍ"٢ فحكى تأويل المَرِيسِي الباطل له - ثُمَّ قال: "وَيْلَكَ؛ إنَّ تأويل هذا الحديث على غير ما ذهبتَ إليه، لما٣ أنَّ رسول الله ﷺ قال في حديث أبي ذَرٍّ: "إنَّه لم يَرَ ربَّهُ"٤، وقال رسول الله ﷺ: "لن تَرَوا
(١) أخرجه مسلم في "صحيحه" رقم (١٧٦).
(٢) أمَّا حديث معاذ ﵁ فسيذكره المؤلِّف بعد قليل. وأمَّا حديث ثوبان ﵁ فأخرجه: ابن أبي عاصم في "السُّنَّة" رقم (٤٧٠)، والبزار في "مسنده" رقم (٤١٧٢)، وابن خزيمة في "التوحيد" (١/ ٥٤٣)، والطبراني في "الدعاء" رقم (١٤١٧)، والدارقطني في "الرؤية" رقم (٢٥٣ - ٢٥٦)، وابن منده في "الرد على الجهمية" رقم (٧٣)، وأبو بكر النَّجَّاد في "الرد على من يقول القرآن مخلوق" رقم (٨٣)، والبغوي في "شرح السُّنَّة" رقم (٩٢٥). وفي إسناده مقال، لكن له شواهد كثيرة يتقوى بها، حتى قال الحافظ ابن منده: "رُوي هذا الحديث عن عشرةٍ من أصحاب النبيِّ ﷺ، ونقلها عنهم أئمة البلاد من أهل الشرق والغرب". "الرد على الجهمية" (٩١).
(٣) في (ز) و(ن) و(ك) و(ط): لها، وفي (ح) و(م): أما، والتصويب من المصدر.
(٤) أخرجه مسلم في "صحيحه" رقم (١٧٨)، وقد سبق بلفظه (ص/ ٣٨٠).