وجبلٌ هذا شأنه حقيقٌ أن يُقْسِمَ اللهُ به، وإنَّهُ لسيِّدُ الجبال.
الثاني: "الكتاب المسطور" في الرَّقِّ المنشور، واختُلف في هذا الكتاب١:
فقيل: هو اللوح المحفوظ. وهذا غلطٌ؛ فإنَّه ليس بـ "رَقٍّ".
وقيل: هو الكتاب الذي تضمَّن أعمالَ بني آدم. قال مقاتل: "تُخْرَجُ إليهم أعمالُهم يومَ القيامة في رَقٍّ منشور"٢.
وهذا وإن كان أقوى وأصحَّ من القول الأوَّل، واختاره جماعةٌ من المفسِّرين ومنهم من لم يذكر غيره؛ فالظاهر أنَّ المراد به الكتاب المنزَّل من عند الله، وأقسَمَ اللَّهُ به لعظمته وجلالته، وما تضمَّنَهُ من آيات ربوبيته، وأدلَّةِ توحيده، وهدايةِ خلقه.
ثُمَّ قيل: هو التوراة التي أنزلها الله على موسى.
وكأنَّ صاحب هذا القول رأى اقتران هذا الكتاب بالطُّور، فقال: هو التوراة، ولكنَّ التوراةَ إنَّما أُنزلت في ألواحٍ لا في رَقٍّ، إلَّا أن يقال: هي في رَقٍّ في السماء وأنزلت في ألواح.
= "تفسيره" (٢/ ٢٤٦)، وأبو الشيخ في "العظمة" رقم (١١٧٨). ونَوف البِكَاليُّ: هو نَوف بن فضَالة الحِمْيَريُّ البِكَاليُّ، ابنُ امرأة كعب الأحبار، كان من علماء الشام، راويةً للقَصَص، وقد كذَّبَ ابنُ عباس ﵄ ما رواه عن أهل الكتاب، وهذا الأثر منها. انظر: "تهذيب الكمال" (٣٠/ ٦٥)، و"التقريب" (١٠١١).
(٢) "تفسير مقاتل" (٣/ ٢٨٢). وهو اختيار الفَرَّاء في "معاني القرآن" (٣/ ٩١).
وقيل: هو القرآن؛ ولعلَّ هذا أرجح الأقوال؛ لأنَّه - سبحانه - وصَفَ القرآن بأنَّهُ ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ١٣ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ١٤ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ١٥ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ١٦﴾[عبس: ١٣ - ١٦]، فالصُّحُفُ هي "الرَّقُّ"، وكونه بأيدي السَّفَرَة هو كونه منشورًا.
وعلى هذا فيكون قد أقسَمَ بسيِّدِ الجبال، وسيِّدِ الكتب. ويكون ذلك متضمِّنًا للنُّبوَّتَين العظيمتَين١: نُبُوَّةِ موسى، ونُبُوَّةِ محمدٍ صلَّى الله عليهما وسلَّم. وكثيرًا ما يُقْرَنُ بينهما، وبين مَحَلِّهما كما في سورة "والتِّين والزيتون".
ثُمَّ أَقْسَمَ بسيِّدِ البيوت، وهو "البيت المعمور"٢.
وفي وَصْفِه للكتاب بأنَّه مسطورٌ تحقيقٌ لكونه مكتوبًا مفروغًا منه. وفي وَصْفِه بأنَّه منشورٌ إيذانٌ بالاعتناء به، وأنَّه بأيدي الملائكة منشورٌ غيرُ مهجورٍ.
وأمَّا "البيت المعمور"؛ فالمشهور أنَّه "الضُّرَاح"٣ الذي في
(١) في (ح) و(م): المعظمتين.
(٢) هذا هو الثالث.
(٣) عن سماك بن حرب، قال: سمعتُ خالد بن عَرْعَرَة يقول: سأل رجلٌ عليًّا ﵁: ما البيت المعمور؟ فقال: "بيتٌ في السماء يقال له "الضُّرَاح"، وهو بحِيَال الكعبة من فوقها، حُرْمَتُه في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلِّي فيه كلَّ يومٍ سبعون ألفًا من الملائكة، ثم لا يعودون فيه أبدًا". أخرجه: ابن وهب في "الجامع تفسير القرآن" (٢/ ٨١) رقم (١٥٢)، والأزرقي في "أخبار مكة" (١/ ٤٩ - ٥٠)، وابن جرير في "تفسيره" (١١/ ٤٨٠ - ٤٨١)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٣٧٠٤)، وإسحاق بن راهويه كما ذكر الحافظ في "المطالب العالية" رقم (٣٧٣٠). =