والثاني: البحر المَسْجُور١؛ وهو آيةٌ عظيمةٌ من آياته، وعجائبُهُ لا يحصيها إلا الله.
واختُلف في هذا البحر، هل هو البحر الذي فوق السماوات، أو البحر الذي نشاهده؟ على قولين:
فقالت طائفةٌ: هو البحر الذي عليه العرش، وبين أعلاه وأسفله مسيرة خمسمائة عامٍ، كما في الحديث الذي رواه أبو داود، من حديث سِمَاك، عن عبد الله بن عَمِيرة٢، عن الأَحْنَف بن قيس، أنَّ العبَّاس بن عبد المطلب قال: كنتُ بالبَطْحَاء في عصابةٍ٣ فيهم رسول الله ﷺ، فمرَّتْ بهم سحابةٌ، فنظر إليها فقال: "ما تُسَمُّونَ هذه؟ " قالوا: السَّحَاب، قال: "والمُزْنَ" قالوا: والمُزْنَ، قال: "والعَنَان"، قالوا: والعَنَان قال: "هل تدرون بُعْدَ ما بين السماء والأرض؟ " قالوا: لا ندري، قال: "إنَّ بُعْد ما بينهما إمَّا واحدةٌ، أو اثنتان، أو ثلاثٌ وسبعون سنة، ثُمَّ السماء فوقها كذلك، حتَّى عَدَّ سبعَ سماواتٍ، ثُمَّ فوق السابعة بحرٌ بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماءٍ إلى سماءٍ، ثُمَّ فوق ذلك ثمانية أَوْعَالٍ، بين أظْلَافهم ورُكَبِهم مثل ما بين سماءٍ إلى سماءٍ، ثُمَّ على ظهورهم العَرْش، ما بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماءٍ إلى سماءٍ، ثُمَّ
(١) هذا هو الخامس والأخير.
(٢) تصحف في جميع النسخ إلى: مخيمرة، والتصحيح من المصادر.
(٣) "في عصابة" ملحق بهامش (ك).
الله - تعالى - فوقَ ذلك"١.
وهذا لا يناقِض ما في "جامع الترمذي": "إنَّ بين كلِّ سَمَائيَن مسيرةَ خمسمائة عامٍ"٢؛ إذ المسافات تختلف مقاديرها باختلاف
(١) أخرجه: أحمد في "المسند" (١/ ٢٠٦ - ٢٠٧)، وأبو داود في "سننه" رقم (٤٧٢٣)، والترمذي في "سننه" رقم (٣٣٢٠)، وابن ماجه في "سننه" رقم (١٩٢)، وابن أبي عاصم في "السُّنَّة" رقم (٥٧٧)، وابن خزيمة في "التوحيد" رقم (١٤٤ و١٤٥)، والآجري في "الشريعة" رقم (٦٦٣ - ٦٦٥)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٥٠٢) وصححه، والبيهقي في "الأسماء والصفات" رقم (٨٤٧ و٨٨٢)، وغيرهم. وإسناده ضعيف؛ لأمور: ١ - عبد الله بن عَمِيرة؛ كوفيٌّ. قال إبراهيم الحربي: "لا أعرفه"، وقال الذهبي: "فيه جهالة". "الميزان" (٣/ ١٨٣)، وذكره العقيلي (٢/ ٦٨٣)، وابن عدي "الكامل" (٤/ ١٥٤٧) في الضعفاء. ٢ - وفيه انقطاع، فإن عبد الله بن عَمِيرة لا يعلم له سماعٌ من الأحنف بن قيس كما قال البخاري. "التاريخ الكبير" (٥/ ١٥٩). ٣ - وسِمَاك بن حرب: صدوقٌ لا بأس به، لكن في حديثه اضطراب كما قال أحمد وغيره. ثم إنه كبر فتغيَّر، فكان ربما يُلقَّن فيتلقَّن، فإذا انفرد بأصلٍ لم يكن حُجَّةً. "تهذيب التهذيب" (٤/ ٢٣٤). وقد تفرد بالرواية عن عبد الله بن عَمِيرة كما ذكره مسلم في "الوحدان" (١٤٤)، وانظر: كتاب "العلو" للذهبي (١٠٩). ومع ذلك فقد أثبته جماعة: فقال الترمذي: "حسن غريب"، وصححه الحاكم، والجوزقاني في "الأباطيل والمناكير" (١/ ٧٩)، وشيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٣/ ١٩٢)، وابن القيم في "تهذيب السنن" (٧/ ٩٤)، والمباركفوري في "تحفة الأحوذي" (٩/ ١٦٦). وانظر: "السلسلة الضعيفة" للألباني رقم (١٢٤٧).
(٢) أخرجه: أحمد في "المسند" (٢/ ٣٧٠)، والترمذي في "سننه" رقم (٣٢٩٨)، =