وهذا يرجع إلى القول الأوَّل؛ لأنَّكَ تقول: سَجَرْتُ التنُّورَ؛ إذا ملأْتَهُ حَطَبًا.
وروى ذُو الرُّمَّةِ الشاعر عن ابن عباس أنَّ المسجور: "اليابس الذي قد نَضَب ماؤُه وذهب"١. وليس لِذِي الرُّمَّةِ رواية عن ابن عباس غير هذا الحرف٢. وهذا القول اختيار أبي العالية.
قال أبو زيد: "المسجور: المَمْلُوء، والمسجور٣: الذي ليس فيه شيء"٤، جعله من الأضداد.
وقد رُوي عن ابن عباس أنَّ المسجور٥: المحبوس، ومنه: سَاجُور الكلب، وهو القِلَادة من عُودٍ أو حديدٍ يُمْسِكُه.
(١) أخرجه الثعلبي في "الكشف والبيان" (٩/ ١٢٥). وعزاه ابن كثير في "تفسيره" (٧/ ٤٢٩) إلى ابن مردويه في "مسانيد الشعراء". وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ١٤٦) إلى الشيرازي في "الألقاب". كلُّهم من طريق الأصمعي، عن أبي عمرو بن العلاء، عن ذي الرُّمَّة، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ قال: "الفارغ؛ خرَجَت أمَةٌ تستسقي، فرجعت وقالت: إنَّ الحوضَ مسجورٌ، تعني: فارغًا".
(٢) وهذا قول ابن أبي داود؛ كما نقله عنه: الثعلبي في "الكشف والبيان" (٩/ ١٢٥)، والقرطبي في "الجامع" (١٧/ ٦١).
(٥) من قوله: "المملوء، والمسجور: الذي. . ." إلى هنا؛ ملحقٌ بهامش (ن).
والمعنى على هذا أنَّه محبوسٌ بقدرة الله أن يَفِيضَ على الأرض فيُغْرِقَها، فإنَّ ذلك مقتضى الطبيعة أن يكون الماء غامرًا للأرض فوقها، كما أنَّ الهواء فوق الماء، ولكن أَمْسَكَهُ الذي يُمْسِكُ السماوات والأرض أنْ تَزُولا، وفي هذا المعنى حديثٌ ذكره الإمامُ أحمد مرفوعًا: "ما من يومٍ إلَّا والبحرُ يستأذِنُ ربَّهُ أنْ يُغرق بني آدم"١.
وهذا الموضع ممَّا هَدَمَ أصول الملاحدة والدهريَّة، فإنَّه ليس في الطبيعة ما يقتضي حَبْسَ الماء عن بعض جوانب الأرض، مع كون كرة الماء عالية على كرة٢ الأرض بالذَّات، ولو فُرِضَ أنَّ في الطبيعة ما يقتضي بروز بعض جوانبها لم يكن فيها ما يقتضي تخصيص هذا الجانب بالبروز دون غيره.
وما ذكره الطبائعيُّون والمُتَفَلْسِفة أنَّ العناية الإلهية اقْتَضَتْ ذلك لمصلحة العالَم: فَنَعَم؛ هو كما ذكروا، ولكنَّ عناية من يفعل بقدرته
(١) أخرجه: أحمد في "المسند" (١/ ٤٣)، ومن طريقه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" رقم (٣٧)، وعزاه الحافظ في "المطالب العالية" رقم (٢٠٤٣) إلى إسحاق بن راهويه، ومن طريقه أبو بكر الإسماعيلي كما ذكره ابن كثير في "تفسيره" (٧/ ٤٣٠)؛ كلُّهم من حديث عمر بن الخطاب ﵁؛ ولفظه: "ليس من ليلةٍ إلا والبحر يُشْرِف فيها ثلاثَ مرَّاتٍ على الأرض، يستأذنُ الله في أن يَنْفَضِخ عليهم، فيكفُّه الله ﷿". قال ابن الجوزي: "العوَّام ضعيفٌ، والشيخ مجهول". (١/ ٤١). وقال ابن كثير: "فيه رجلٌ مبهمٌ لم يُسَمَّ". "تفسيره" (٧/ ٤٣٠)، و"مسند عمر" له - أيضًا - (٢/ ٦٠٨).