التبيان

ومشيئته، وهو بكلِّ شيءٍ عليمٌ، وعلى كلِّ شيءٍ قديرٌ، وهو أحكم الحاكمين = غير معقولة؟!

فالعناية الإلهية تقتضي حياتَهُ، وقدرتَهُ، ومشيئته، وعلمَهُ، وحكمتَهُ، ورحمتَهُ، وإحسانَهُ إلى خلقه، وقيامَ الأفعال به، فإثبات العناية الإلهية مع نفي هذه الأمور ممتنعٌ. وبالله التوفيق.

وأقوى الأقوال في "المَسْجُور" أنَّه المُوْقَد١ - وهذا هو المعروف في اللغة - من: السَّجْر، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ٦﴾ [التكوير: ٦]، قال عليُّ بن أبي طالب، وابنُ عباس: "أُوقِدَتْ فَصَارَتْ نارًا".

ومن قال: "يَبسَت وذَهَب ماؤها"؛ فلا يُناقض كونها نارًا مُوقَدَةً. وكذا من قال: "مُلئت"؛ فإنَّها تُمْلأُ نارًا.

وإذا اعتبرتَ أسلوبَ القرآن ونَظْمَهُ ومفرداته رأيتَ اللفظة تدلُّ على ذلك كلِّه، فإنَّ البحر محبوسٌ بقدرة الله ﷿، ومملوءٌ ماءً، ويذهب ماؤُه يوم القيامة ويصير نارًا. فكلٌّ من المفسِّرين أخذ معنىً من هذه المعاني. والله أعلم.

  1. (١) وهو مرويٌّ عن: عليٍّ، وابنِ عباسٍ ﵃.
    وقال به: سعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم، ومجاهد، والضحَّاك، وسعيد بن جبير، وشِمْر بن عطية، ومحمد بن كعب القرظي، وعبد الله بن عبيد بن عمير، والأخفش، وغيرهم.
    واختاره: الألوسي في "روح المعاني" (٢٧/ ٢٤) ونسبه للجمهور، والشوكاني في "فتح القدير" (٥/ ١٢٥).
410

فصل

وأقسَمَ - سبحانه - بهذه الأمور على المَعَاد والجزاء، فقال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ٧﴾ [الطور: ٧].

ولمَّا كان الذي يقع قد يُمْكِنُ دَفْعُهُ أخبَر - سبحانه - أنَّه لا دافع له. وهذا يتناول أمرين:

أحدهما: أنَّهُ لا دافع لوقوعه.

والثاني: أنه لا دافع له إذا وقع.

ثُمَّ ذكر - سبحانه - وقتَ وقوعه فقال: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا ٩ وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا ١٠﴾ [الطور: ٩، ١٠].

و"المَوْرُ": قد فُسِّر بالحركة، وفُسِّر بالدَّوَران، وفُسِّر بالتموُّج والاضطراب.

والتحقيقُ؛ أنَّه حركةٌ في تموُّجٍ، وتكفُّؤٍ، وذهابٍ، ومجيءٍ.

ولهذا فرَّق بين حركة السماء وحركة الجبال، فقال: ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا ١٠﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ ٣﴾ [التكوير: ٣]، فالجبالُ تسير من مكانٍ إلى مكانٍ، وأمَّا السماء فإنَّها تتكفَّأُ، وتتموَّجُ، وتذهبُ، وتجيءُ.

قال الجوهري١: "مَارَ الشيءُ يَمُورُ مَوْرًا: تَرَهْيَأَ؛ أي: تحرَّك،

  1. (١) هو أبو نَصْر، إسماعيل بن حمَّاد الجوهري، إمام اللغة، كان من أعاجيب الدنيا، أصله من "الفَارَاب" إحدى بلاد التُرك، أكثَرَ من مخالطة قبائل العرب =
411

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي