التبيان

سِحْرٌ لا حقيقةَ له كما قلتم، أَمْ على أبصاركم غِشَاوةٌ فلا تبصرونها، كما كان عليها غِشَاوَةٌ في الدنيا فلا تُبْصِر الحقَّ؟ أَفَعَمِيَتْ أبصارُكم اليومَ عن رؤية هذا الحقِّ، كما عَمِيَتْ في الدنيا؟

ثُمَّ سُلِبَ عنهم نَفْعُ الصَّبْرِ١ الذي كانوا في الدنيا إذا دَهَمَتْهم الشدائدُ وأحاطت بهم لجأوا إليه، وتعلَّلُوا بانقضاء البليَّةِ٢ لانقضاء أمدها٣. فقيل لهم يومئذٍ: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦] كلاهما سواءٌ عليكم لا يُجْدي عليكم الصبر ولا الجَزَع، فلا الصبر يُخَفِّفُ عنكم حِمْلَ هذا العذاب، ولا الجَزَعُ يعطِفُ عليكم قلوبَ الخَزَنَةِ، ولا يستنزل لكم الرحمة.

ثُمَّ أُعْلِمُوا بأنَّ الرَّبَّ - تعالى - لم يظلمهم٤ بذلك، وإنَّما هو نَفْسُ أعمالهم صارت عذابًا، فلم يجدوا من اقترانهم به بُدًّا؛ بل صارت عذابًا لازمًا لهم، كما كانت إراداتهم وعقائدُهم الباطلةُ وأعمالُهم القبيحةُ لازِمةً لهم، ولُزُوم العذاب لأهله في النَّار بحسب لزوم تلك الإراداتِ الفاسدة، والعقائد الباطلة، وما يترتَّبُ عليها من الأعمال لهم في الدنيا.

فإنْ زال ذلك اللزوم في وقتٍ ما بضدِّه، وبالتوبة النَّصُوح زوالًا كُلِّيًّا لم يُعَذَّبُوا عليه في الآخرة؛ لأنَّ أثره قد زال من قلوبهم وألسنتهم وجوارحهم، ولم يبق له أثرٌ يترتَّبُ عليه، فالتائبُ من الذنب كمن لا ذنب له، والمادَّةُ الفاسدةُ إذا زالت من البَدَنِ بالكُلِّية لم يَبْقَ هناك

  1. (١) تصحفت في (ز) و(ن) و(ك) و(ط) إلى: البصر!
  2. (٢) تصحفت في (ز) و(ن) و(ك) و(ط) إلى: الثلاثة!
  3. (٣) تصحفت في (ز) و(ن) و(ك) و(ط) إلى: أمرها.
  4. (٤) في (ز) و(ن) و(ك) و(ط): يظلمكم، وأعمالكم.
413

أَلَمٌ يَنْشَأُ عنها.

وإنْ لم تَزُلْ تلك الإرادات والأعمال ولكن عارَضَها مُعَارِضٌ أقوى منها كان التأثير للمعارِضِ، وغَلَبَ الأقوى الأضعفَ.

وإنْ تَسَاوى الأمران تَدَافَعَا وقَاوَمَ كلٌّ منهما الآخر، وكان مَحَلُّ صاحبه "جبالُ الأَعْرَافِ" بين الجنَّةِ والنَّارِ.

فهذا حكمُ الله وحكمتُه في خلقه، وأمره، ونهيه، وعقابه، ولا يظلم ربُّك أحدًا.

فصل

ثُمَّ ذَكَر - سبحانه - أربابَ العلومِ النَّافعة، والأعمالِ الصالحة، والاعتقاداتِ الصحيحة؛ وهم المُتَّقُون، فذكر مساكنَهم وهي الجِنَان، وحالَهم في المساكن وهو النَّعيم.

وذكر نعيم قلوبهم وراحتهم بكونهم ﴿فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [الطور: ١٨]، و"الفَاكِهُ": المُعْجَبُ بالشيء، المسرورُ المُغْتَبطُ به. وفعله: فَكِهَ - بالكسر -، يَفْكَهُ، فهو فَكِهٌ وفَاكِهٌ إذا كان طيِّبَ النَّفْسَ. والفَاكِهُ: المَازِح١، ومنه "المُفَاكَهَةُ"٢ وهي: المِزَاح٣ الذي ينشأ عن طِيبِ النَّفْس٤. وتَفَكَّهْتُ بالشيء: إذا تمتَّعْتُ به، ومنه "الفَاكِهَةُ" التي يُتَمتَّعُ بها٥.

  1. (١) تصحفت في (ن) و(ك) و(ح) و(م) إلى: البال!! والتصحيح من كتب اللغة.
  2. (٢) في (ك) و(ح) و(م): الفاكهة!
  3. (٣) في (ن) و(ك) و(ح) و(م): المرح، والتصحيح من كتب اللغة.
  4. (٤) من قوله: "والفاكه: المازح. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ز) و(ط).
  5. (٥) انظر: "مقاييس اللغة" (٤/ ٤٤٦)، و"لسان العرب" (١٠/ ٣١٠).
414

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي