التبيان

أَلَمٌ يَنْشَأُ عنها.

وإنْ لم تَزُلْ تلك الإرادات والأعمال ولكن عارَضَها مُعَارِضٌ أقوى منها كان التأثير للمعارِضِ، وغَلَبَ الأقوى الأضعفَ.

وإنْ تَسَاوى الأمران تَدَافَعَا وقَاوَمَ كلٌّ منهما الآخر، وكان مَحَلُّ صاحبه "جبالُ الأَعْرَافِ" بين الجنَّةِ والنَّارِ.

فهذا حكمُ الله وحكمتُه في خلقه، وأمره، ونهيه، وعقابه، ولا يظلم ربُّك أحدًا.

فصل

ثُمَّ ذَكَر - سبحانه - أربابَ العلومِ النَّافعة، والأعمالِ الصالحة، والاعتقاداتِ الصحيحة؛ وهم المُتَّقُون، فذكر مساكنَهم وهي الجِنَان، وحالَهم في المساكن وهو النَّعيم.

وذكر نعيم قلوبهم وراحتهم بكونهم ﴿فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [الطور: ١٨]، و"الفَاكِهُ": المُعْجَبُ بالشيء، المسرورُ المُغْتَبطُ به. وفعله: فَكِهَ - بالكسر -، يَفْكَهُ، فهو فَكِهٌ وفَاكِهٌ إذا كان طيِّبَ النَّفْسَ. والفَاكِهُ: المَازِح١، ومنه "المُفَاكَهَةُ"٢ وهي: المِزَاح٣ الذي ينشأ عن طِيبِ النَّفْس٤. وتَفَكَّهْتُ بالشيء: إذا تمتَّعْتُ به، ومنه "الفَاكِهَةُ" التي يُتَمتَّعُ بها٥.

  1. (١) تصحفت في (ن) و(ك) و(ح) و(م) إلى: البال!! والتصحيح من كتب اللغة.
  2. (٢) في (ك) و(ح) و(م): الفاكهة!
  3. (٣) في (ن) و(ك) و(ح) و(م): المرح، والتصحيح من كتب اللغة.
  4. (٤) من قوله: "والفاكه: المازح. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ز) و(ط).
  5. (٥) انظر: "مقاييس اللغة" (٤/ ٤٤٦)، و"لسان العرب" (١٠/ ٣١٠).
414

ومنه قوله تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ٦٥﴾ [الواقعة: ٦٥]؛ قيل: معناهُ: تَنْدَمُون. وهذا تفسيرٌ بلازم المعنى، وإنَّما الحقيقة: تُزِيلُون عنكم التَّفَكُّه، وإذا زال التَّفَكُّهُ خَلَفَهُ ضِدُّه، يقال: تَحَنَّث؛ إذا زال الحِنْث عنه، وتَحَرَّجَ، وتَحَوَّبَ، وتأثَّمَ، ومنه: تَفَكَّه. وهذا البناء يُقَال للداخل في الشيء كـ: تَعَلَّم، وتَحَلَّم١، وللخارج منه٢ كـ: تحرَّج، وتأثَّمَ.

والمقصودُ أنَّه - سبحانه - جمَعَ لهم بين النَّعِيمَين: نعيمِ القلب بالتفكُّهِ، ونعيمِ البَدَن بالأكل والشُّرب والنكاح.

ووَقَاهُم عذاب الجحيم؛ فَوَقَاهُم ممَّا يكرهون، وأعطاهم ما يحبُّون جزاءً وِفاقًا؛ لأنَّهم تَوَقَّوا ما يكرهُ، وأَتَوا بما يحبُّ، فكان جزاؤهم مُطابِقًا لأعمالهم.

ثُمَّ أخبرَ عن دَوَام ذلك لهم بما أَفْهَمَهُ قولُه: ﴿هَنِيئًا﴾؛ إذ٣ لو عَلِمُوا زَوَالَهُ وانقطاعَه لَنغَّصَ عليهم ذلك نعيمَهم، ولم يكن هنيئًا لهم.

ثُمَّ ذكَرَ مجالسَهم، وهيئَاتِهم فيها؛ فقال: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠]، وفي ذِكْرِ اصْطِفَافِها تنبيهٌ على كمال النِّعمة عليهم بقُرْب بعضهم من بعضٍ، ومقابلةِ بعضهم بعضًا، كما قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ ١٦﴾ [الواقعة: ١٦]، فإنَّ من تمام اللذَّةِ والنَّعيم أن يكون مع الإنسان في بستانه ومنزله من يحبُّ معاشرتَهُ، ويُؤْثِرُ قُرْبَهُ،

  1. (١) في (ز) و(ن) و(ك) و(ط): وتحكم.
  2. (٢) ساقط من (ز) و(ط)، وأُلحقت بهامش (ك).
  3. (٣) ساقط من (ح) و(م).
415

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي