والإشفاق إلى أنْ مَنَّ اللهُ علينا، فأمَّنَنَا ممَّا نخاف ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ٢٧﴾[الطور: ٢٧]، وهذا ضدُّ حال الشقيِّ الذي كان١ في أهله مسرورًا. فهذا كان مسرورًا مع إساءته، وهؤلاء كانوا مُشْفِقِين مع إحسانهم، فبدَّلَ الله - سبحانه - إشفاقَهم بأعظم الأمن، وبدَّلَ أمن أولئك بأعظم المخاوِف. فبالله المستعان.
ثُمَّ أخبر - تعالى - عن حالهم في الدنيا، وأنَّهم كانوا يعبدون الله فيها، فأوصَلَتْهُم عبادتُه وحدَهُ إلى قُرْبِه وجوَارِه، ومَحَلِّ كرامته، والذي جمع لهم ذلك كلَّه بِرُّهُ ورحمتُه؛ فإنَّه هو "البَرُّ الرَّحيمُ".
فهذا هو المُقْسَمُ عليه بتلك الأقسام الخمسة في أوَّل السورة. والله أعلم.
(١) ساقط من (ك).
فصل
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا ١ فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا ٢ فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا ٣ فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا ٤﴾[الذاريات: ١ - ٤]، أقْسَم بـ "الذَّاريات" وهي: الرِّياح؛ تَذْرُو المطرَ، وتَذْرُو الترابَ، وتَذْرُو النَّباتَ إذا تَهَشَّم، كما قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾[الكهف: ٤٥]؛ أي: تفرِّقُه وتَنْشُرُه.
ثُمَّ أقسَمَ١ بما فوقها وهي: السَّحَاب الحاملات وِقْرًا، أي: ثِقْلًا من الماء، وهي رَوَايَا٢ الأرض، يسوقها الله - سبحانه - على مُتُون الرِّياح؛ كما في "جامع الترمذي"٣ من حديث الحسن عن أبي هريرة قال: بينما نبيُّ الله ﷺ جالسٌ وأصحابُه إذ أتى عليهم سَحَابٌ، فقال نبيُّ الله ﷺ: "هل تَدْرُون ما هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "هذا العَنَانُ، هذه رَوَايَا الأرض، يَسُوقُها اللَّهُ ﵎ إلى قومٍ لا يشكرونه، ولا يَدْعُونه".
ثُمَّ أقسَمَ - سبحانه - بما فوق ذلك، وهي "الجاريات يُسْرًا"؛ وهي: النُّجُوم التي من فوق الغَمَام، و"يُسْرًا" أي: مُسَخَّرةً مُذَلَّلةً مُنْقَادَةً.
وقال جماعة من المفسِّرين٤: إنَّها السُّفُن تجري مُيَسَّرَةً في الماء