التبيان

عقيمًا، وتارةً لاقِحَةً، وتارةً جَنُوبًا، وتارة دَبُورًا، وتارةً صَبًا، وتارةً شَمَالًا، وتارةً بين ذلك، وتارةً حارَّةً، وتارةً باردةً١.

وهي٢ - مع غاية قوَّتِها - ألْطَفُ شيءٍ، وأقْبَلُ المخلوقات لكلِّ كيفية، سريعةُ التأثر والتأثير، لطيفة المَسَارِب٣، بَحْرٌ بين٤ السماء والأرض، إذا قُطع عن الحيوان الذي على وجه الأرض هلَكَ، كبحر الماء الذي إذا فارقَهُ حيوان الماء هلك. يحبسها الله - سبحانه - إذا شاء، ويرسلُها إذا شاء.

تحمل الأصواتَ إلى الآذان، والرائحةَ إلى الأنف، والسَّحابَ إلى الأرض الجُرُز٥.

وهي من رَوْح الله تأتي بالرحمة، ومن عقوبته تأتي بالعذاب.

وهي أقوى خَلْقِ الله كما رواه الترمذي في "جامعه" من حديث أنس بن مالك، عن النبيِّ ﷺ قال: "لمَّا خلقَ اللهُ الأرضَ جَعَلَتْ تَمِيدُ، فخلق الجبالَ، فقال بها عليها، فاستَقَرَّتْ، فَعَجِبَت الملائكةُ من شدَّةِ

  1. (١) للعرب عنايةٌ بأسماء الريح وأنواعها، وبحثٌ عند أئمة اللغة، وانظر: كتاب "الريح" لابن خالويه (٣٧٠ هـ).
  2. (٢) ملحق بهامش (ك).
  3. (٣) في (ك): المشارق، وفي باقي النسخ: المسارق، وما أثبته أصح.
    و"المسارب" من: السَّرَب؛ وهو المسلك في خفية.
    انظر: "لسان العرب" (٦/ ٢٢٦).
  4. (٤) تصحفت في (ن) و(ط) إلى: تحرس.
  5. (٥) الأرض الجُرُز: أي الغليظة اليابسة التي لم يصبها مطرٌ، ولا تُنبتُ شيئًا.
    انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ١٣٣)، و"القرطين" (٢/ ٧٤).
427

الجبالِ، وقالوا: يا رَبُّ؛ هل مِنْ خَلْقِكَ شيءٌ أشدُّ من الجبال؟ قال: نعم، الحديد. قالوا: يا رَبُّ؛ فهل مِنْ خَلْقِكَ شيءٌ أشدُّ من الحديد؟ قال: نعم، النَّار. قالوا: يا ربُّ؛ فهل مِنْ خَلْقِكَ شيءٌ أشدُّ من النَّار؟ قال: نعم، الماء. قالوا: يا رَبُّ؛ فهل مِنْ خَلْقِكَ شيءٌ أشدُّ من الماء؟ قال: نعم، الريح. قالوا: يا رَبُّ فهل مِنْ خَلْقِكَ شيءٌ أشدُّ من الريح؟ قال: نعم، ابنُ آدم، تصدَّقَ بصدقةٍ بيمينه يُخفِيها مِنْ شِمَاله"؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده"١.

وفي الترمذي٢ في حديث قصة عادٍ أنَّه لم يرسل عليهم من الرِّيح إلا قَدْر حَلْقَةِ الخَاتَم، فلم تَذَرْ من شيءٍ أَتَتْ عليه إلا جَعَلَتْه كالرَّمِيم.

وقد وَصَفَها اللهُ - سبحانه - بأنَّها عاتيةٌ؛ قال البخاري في "صحيحه"٣: "عَتَتْ على الخَزَنَة"، فلم يستطيعوا أنْ يردُّوها.

  1. (١) أخرجه: أحمد في "المسند" (٣/ ١٢٤)، والترمذي في "سننه" رقم (٣٣٦٩)، وعبد بن حميد في "المنتخب" رقم (١٢١٣)، وأبو يعلى في "مسنده" رقم (٤٣١٠)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٣١٦٧)؛ بسندٍ ضعيف.
    ولفظ الترمذي: "فقال بها عليها"، وعند الباقين: "فألقاها عليها".
  2. (٢) أخرجه: الترمذي في "سننه" رقم (٣٢٧٣ و٣٢٧٤)، وأحمد في "المسند" (٣/ ٤٨١ - ٤٨٢)، والطبراني في "الكبير" (٣/ رقم ٣٣٢٥).
    وحسنه الألباني في "السلسلة الضعيفة" رقم (١٢٢٨).
  3. (٣) علقه البخاري عن ابن عيينة في موضعين من "صحيحه":
    الأول: كتاب الأنبياء، باب: قول الله ﷿: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ شديدة ﴿عَاتِيَةٍ ٦﴾ [الحاقة: ٦]، (٣/ ١٢١٨).
    والثاني: كتاب التفسير، سورة الفرقان (٤/ ١٧٨٣).
    وجاء نحوه عن علي بن أبي طالب ﵁ أنَّه قال: "لم ينزل الله شيئًا من الريح إلا بوزنٍ على يدي مَلَكٍ، إلا يوم عادٍ فإنَّه أَذِنَ لها دون =
428

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي